الزعبي لـ”الرأي”: الحرب تتجاوز الحدود لتصيب موائد العالم

الزعبي لـ”الرأي”: الحرب تتجاوز الحدود لتصيب موائد العالم

أكد الخبير في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي لـ”الرأي” أن المنطقة تشهد توترات متصاعدة تتجاوز حدود الدول لتصل إلى صلب الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية على الجبهات، بل امتدت آثارها إلى سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة والأمن الغذائي الدولي. ويضع هذا التشابك بين النزاع والاقتصاد العالم أمام معادلة معقدة، إذ ينعكس أي اضطراب في قطاع الطاقة مباشرة على تكاليف النقل والشحن، وبالتالي على أسعار الغذاء، خصوصًا في الدول كثيفة الاعتماد على الاستيراد. فالعلاقة بين الطاقة والغذاء وثيقة، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الوقود إلى زيادة كلف التصنيع والتوزيع الغذائي، ما يفاقم مستويات الفقر الغذائي ويزيد من هشاشة الأمن الغذائي العالمي.

وبين الزعبي أن سلاسل الإمداد والطرق البحرية أصبحت بدورها عرضة لمخاطر متزايدة، إذ إن أي تهديد للممرات البحرية أو الموانئ الحيوية ينعكس على حركة توزيع الحبوب والمواد الأولية الزراعية. وحتى في غياب تعطيل مباشر، فإن التذبذب في حركة السفن وارتفاع تكاليف التأمين يسهمان في رفع الأسعار ويحدان من وصول الإمدادات إلى الأسواق، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الأزمة. وفي ظل هذه الظروف، تلعب السياسات الدولية دورًا محوريًا؛ فالعقوبات والقيود الاقتصادية تعيد تشكيل مسارات التجارة، في حين يمكن للتعاون الدولي والاستثمار في الزراعة الذكية وتطوير المخزون الاستراتيجي أن يخفف من حدة الأزمة ويعزز الأمن الغذائي.

وأكد الزعبي أن الأسئلة المطروحة اليوم تتعلق بمدى قدرة العالم على قياس التأثير الفعلي للنزاع على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة، في ظل ارتباط ذلك بمسارات التجارة البحرية وأسعار الطاقة والتوترات السياسية. وتواجه الدول النامية تحديًا مضاعفًا، إذ يمكنها تقليل الاعتماد على الواردات عبر تنويع مصادر الغذاء، والاستثمار في الزراعة المحلية، وتحسين التخزين والتوزيع. أما المؤسسات الدولية فلها دور أساسي في تقديم الدعم المالي والتقني، وتنسيق المساعدات الغذائية، وتوفير الإرشاد في سياسات الاستيراد والتخزين. وتبرز الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة بوضوح في مثل هذه الأزمات؛ فالأولى تمتلك أدوات حماية أكبر، فيما تبقى الثانية أكثر عرضة لتقلبات الأسعار وتحتاج إلى دعم دولي عاجل.

وأشار الزعبي إلى أن التكنولوجيا تدخل أيضًا على خط المواجهة، إذ يمكن للزراعة الذكية وتقنيات تحسين المحاصيل والتخزين أن تقلل الهدر وتعزز الإنتاج المحلي، ما يسهم في التخفيف من آثار الأزمة. وفي قراءة للسيناريوهات المحتملة، يمكن رسم ثلاثة مسارات رئيسية:

السيناريو الأول: تصعيد مستمر ومتسارع

في حال استمرار التصعيد العسكري وتزايد الهجمات على الموانئ والممرات الحيوية، سيواجه العالم اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد وارتفاعًا كبيرًا في أسعار الوقود والنقل، ما ينعكس مباشرة على تكاليف الإنتاج والتوزيع الغذائي. ويؤدي هذا الوضع إلى تفاقم تقلبات الأسعار وتهديد المخزونات الاستراتيجية، خاصة في الدول النامية الأكثر اعتمادًا على الواردات الغذائية. ومع ارتفاع الأسعار، تتعرض ميزانيات الأسر لضغوط متزايدة، ما يفاقم الفقر الغذائي ويهدد الاستقرار الاجتماعي. وتتمثل أدوات التخفيف في تعزيز المخزون الاستراتيجي، وتنسيق خطوط إمداد بديلة دوليًا، ودعم الزراعة شبه الذاتية، إلى جانب تفعيل آليات الطوارئ الغذائية عبر المؤسسات الدولية.

السيناريو الثاني: تهدئة جزئية في حال حدوث تهدئة جزئية للأعمال القتالية عبر تفاهمات مؤقتة أو هدن محلية، قد تشهد الأسواق استقرارًا نسبيًا مع استمرار بعض القيود الاقتصادية. ويمنح هذا السيناريو الدول المستوردة فرصة محدودة لتحسين خطط التخزين والاستيراد، دون أن يزيل المخاطر بالكامل، إذ تبقى الأسعار عرضة لتقلبات موسمية. وقد تتحسن بعض الأسواق المحلية بفضل مصادر تموين بديلة، إلا أن غياب الثقة في الاستقرار السياسي يبقي مستوى الحذر مرتفعًا. وتشمل أدوات التخفيف تنويع مصادر التموين، وتحديث سلاسل التوريد الزراعية، وتعزيز التخطيط الوطني للمخزون الغذائي، وتشجيع التعاون الاقتصادي الإقليمي.

السيناريو الثالث: دبلوماسية نشطة وتخفيف تدريجي

أما في حال نجاح تحركات دبلوماسية مكثفة تقودها جهات دولية وإقليمية، فقد يفضي ذلك إلى هدنة مستدامة وتفاهمات اقتصادية تحد من التصعيد. ويتيح هذا السيناريو استئناف سلاسل الإمداد وتخفيف قيود التصدير، ما يعزز الثقة في الأسواق ويقود إلى استقرار تدريجي في الأسعار وتكاليف النقل. كما تتمكن الدول النامية من التخطيط بصورة أكثر فاعلية، مع فرص أكبر للاستثمار في الزراعة الذكية وتقنيات التوريد، إلى جانب تحسن وصول المساعدات الإنسانية والمواد الغذائية، ما يخفف الأعباء التمويلية عنها. وتتمثل أدوات التخفيف في دعم الحوار الدولي المستمر، وتعزيز التعاون الإقليمي في مجالي الزراعة والتخزين، وتطوير الأسواق الذكية والتقنيات الرقمية لإدارة المخاطر، إلى جانب دور المؤسسات الدولية في تقديم المساعدات وتخفيف آثار السياسات الاقتصادية غير المتكيفة.

وفي جميع الحالات، يبقى التحدي الأكبر هو حماية الأرواح وضمان استقرار الغذاء والدواء للملايين، ما يتطلب تنسيقًا دوليًا واسعًا، وسياسات أكثر مرونة، واستثمارًا جادًا في الزراعة المستدامة والتقنيات الحديثة. وتكشف الأزمة الحالية هشاشة النظام الغذائي العالمي، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام فرص لإعادة تشكيله على أسس أكثر عدالة واستدامة