يرى الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أنه وفي ظل الجدل الدائر حول ارتفاع أسعار بعض المنتجات الزراعية، خصوصاً البندورة، يبرز سؤال جوهري هو: كيف يمكن للحكومة ممثلة بوزارتي الصناعة والتجارة والزراعة أن تضبط الأسعار بما يحقق التوازن بين حماية المستهلك وضمان استدامة الإنتاج الزراعي؟
وأضاف الزعبي أن وزير الزراعة صائب الخريسات أوضح مؤخراً أن لا مبرر حتى الآن لفرض سقوف سعرية على الخضراوات، مؤكداً أن الأردن لا يستورد الخضار وإنما يعتمد على إنتاجه المحلي، مع نسبة اكتفاء ذاتي تصل إلى 61 %، وهو رقم يعكس قوة القطاع الزراعي، لكنه يضع في الوقت ذاته مسؤولية كبيرة على آليات الرقابة الحكومية لضمان عدالة الأسعار.
وقال: “خلال شهر رمضان الماضي، شهدت الأسواق ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار البندورة نتيجة انخفاض الكميات الواردة للسوق (180-200) طن يومياً مقابل حاجة يومية تصل إلى (450-500 طن)، ومع عودة الإنتاج إلى مستوياته الطبيعية، أكد الوزير أن الكميات الحالية تكفي الاحتياجات المحلية بالكامل، وأن السعر المعتدل للبندورة يتراوح بين 70-80 قرشاً للكيلو.”
وتطرق إلى تنوع أدوات الحكومة لضبط الأسعار، بدءاً من وقف التصدير مؤقتاً لتوجيه الإنتاج نحو السوق المحلي عند حدوث ارتفاع غير مبرر في الأسعار، مروراً بالتنسيق المستمر بين وزارتي الصناعة والتجارة والتموين والزراعة لرصد الأسعار والتدخل عند الحاجة.
وأضاف: “بالتأكيد تبرز آلية العرض والطلب، حيث تترك الحكومة للسوق حرية تحديد الأسعار، لكنها تتدخل عند وجود اختلالات أو تجاوزات من خلال الرصد والمتابعة اليومية ومراقبة الكميات الداخلة للأسواق المركزية، وضبط أي محاولات للاحتكار أو رفع غير مبرر للأسعار.”
وزاد: “في سياق الرقابة على الأسواق، لا يمكن إغفال الأثر الكبير للحلقات التسويقية المتعددة وتدخل الوسطاء في رفع السعر النهائي على المستهلك، فغالباً ما يظهر فرق شاسع بين السعر الذي يتقاضاه المزارع عند “باب المزرعة” والسعر الذي يدفعه المواطن. وهنا تبرز أهمية الرقابة الصارمة على مسارات التوزيع، وتفعيل دور الجمعيات التعاونية لتمكين المزارعين من تسويق منتجاتهم بشكل مباشر، ما يقلل الكلف الإضافية ويدعم صغار المزارعين في مواجهة تحديات الجاهزية والاستدامة.”
وإلى جانب آليات السوق، بين الزعبي: “يفرض التغير المناخي والتقلبات الجوية المرافقة له تحديات حقيقية أمام استقرار كميات الإنتاج، وهذا الواقع يتطلب توجيه جهود القطاع نحو تبني أدوات الزراعة الحديثة كالزراعة المائية والبيوت البلاستيكية الذكية؛ لضمان التدفق المستمر للسلع.
وتابع: “وفي أوقات ذروة الإنتاج، يبرز دور قطاع التصنيع الغذائي، كمصانع معجون الطماطم، كصمام أمان وممتص للصدمات الاقتصادية؛ فهو يحمي المزارع من تكبد الخسائر نتيجة هبوط الأسعار، ويبني في الوقت ذاته مخزوناً إستراتيجياً محلياً يعزز من مناعة سلاسل الإمداد.”
وبالعودة إلى التساؤل: هل السقوف السعرية ضرورة؟ قال الزعبي: “تُعتبر السقوف أداة استثنائية، تُستخدم عادة في حالات الاضطراب الشديد أو الاحتكار، ويرى الوزير أن الظروف الحالية لا تستدعي فرضها، خاصة مع توقع انخفاض الأسعار في شهر نيسان المقبل نتيجة وفرة الإنتاج، لكن من منظور اقتصادي، يمكن القول إن السقوف السعرية قد تصبح ضرورة إذا استمرت الأسعار بالارتفاع بشكل يرهق المستهلك ويهدد الأمن الغذائي، خصوصاً في ظل محدودية دخل الأسر الأردنية، مع الأخذ بالاعتبار إذا استمر تصاعد النزاع الإقليمي، فعندها سيكون ملف الأمن الغذائي في عين العاصفة الإقليمية.”
وتابع: “يمتلك أصحاب القرار بهذا الشأن الأدوات المرنة لضبط الأسعار دون اللجوء مباشرة إلى السقوف السعرية، مثل وقف التصدير والتنسيق بين الوزارات.”، مبينا أنه “مع ذلك، تبقى السقوف خياراً احتياطياً لا بد من تفعيله قبل أن تخرج الأسعار عن السيطرة، حيث إن التحدي الأكبر يكمن في تحقيق التوازن بين حماية المستهلك ودعم المزارع، وهو ما يتطلب رقابة صارمة وشفافية في إدارة السوق.”