د الزعبي على بودكاست النهار اللبنانية: قصف الصواريخ إلى قصف الصوامع

د الزعبي على بودكاست النهار اللبنانية: قصف الصواريخ إلى قصف الصوامع

د الزعبي على بودكاست النهار اللبنانية: قصف الصواريخ إلى قصف الصوامع

الدكتور فاضل الزعبي، الخبير الدولي في الأمن الغذائي، يحذر من أن ارتفاع سعر طن الأسمدة 100 دولار يرفع تكلفة الهكتار المزروع بالقمح أو الذرة بين 20 و30 دولاراً . ومع ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، تتضاعف الضغوط على الدول المستوردة.”

منذ اليوم الأول للحرب، لم تعد الأهداف عسكرية فقط. تقارير ميدانية تشير إلى تحول كبير في بنك الأهداف، حيث طالت الضربات الإسرائيلية والأمريكية منشآت حيوية في إيران والعراق والكويت، شملت مصافي النفط ومحطات تحلية المياه والمطارات .

اللافت أن العاصمة الإيرانية طهران شهدت استهداف خزانات وقود في شمال وجنوب المدينة، وهو ما وصفه مراسل الجزيرة عمر هواش بـ”التحول في بنك الأهداف الإسرائيلية” . سحب الدخان الأسود التي تخيم على سماء طهران لم تكن مجرد مشهد بصري مؤقت، بل مؤشر على بداية حرب اقتصادية تستهدف البنية التحتية الحيوية.

هذه الضربات امتدت لتشمل محطات تحلية المياه في جزيرة قشم وخزانات الوقود في مطار مهر آباد المدني. والنتيجة؟ تراجع حصة الفرد الإيراني من الوقود المدعوم، وارتفاع تكاليف المعيشة في بلد كان يعاني أصلاً من عقوبات اقتصادية خانقة .

لكن الأكثر خطورة، ما أشار إليه رئيس تحرير صحيفة الوفاق الإيرانية مختار حداد، عندما حذر من أن استمرار الاستهدافات سيفتح الباب أمام “حرب في مجال الطاقة”، مؤكداً أن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي . وهذا ما حدث بالفعل…”

مضيق هرمز: شريان الحياة تحت النار

“في السابع من آذار الجاري، أعلنت إيران إغلاق الملاحة عبر مضيق هرمز. ربما بدا القرار وكأنه خبر عابر في زحمة التصعيد العسكري، لكنه في الواقع كان بمثابة إعلان حالة طوارئ غذائية في المنطقة.

لنتأمل هذه الأرقام معاً: مضيق هرمز هو ممر حيوي يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً . لكن الأهم بالنسبة للأمن الغذائي العربي، أن 80 إلى 90% من احتياجات دول الخليج الغذائية تستورد من الخارج، و70% من هذه الواردات تمر عبر هذا المضيق الضيق .

ما إن أغلقت إيران المضيق، حتى تجمدت الحركة البحرية. تقارير تتبع السفن أظهرت تراجع حركة الناقلات بنسبة 83% في غضون 24 ساعة فقط، من 24 سفينة إلى 4 سفن يومياً . تخيّل معي: 140 إلى 170 سفينة حاويات وناقلات صب محاصرة داخل الخليج العربي، بينها سفن مبردة تحمل سلعاً قابلة للتلف .

شركات شحن كبرى مثل Maersk وHapag-Lloyd علقت جميع حجوزاتها المتجهة إلى موانئ الخليج. مشهد شبيه بما حدث خلال جائحة كورونا، لكن هذه المرة في منطقة تشتعل فيها النيران فعلياً.”

تأثير مضاعف: من الطاقة إلى الغذاء

“ارتبطت أسعار المواد الغذائية مباشرة بأسعار الطاقة. خلال الأيام الأولى للحرب، قفزت مؤشرات أسعار الحبوب العالمية بين 1 و3% . قد تبدو النسبة متواضعة، لكنها في عالم التجارة الدولية تعني ملايين الدولارات تضاف إلى فاتورة استيراد الغذاء.

لكن المشكلة الأكبر كانت في قطاع الأسمدة. المفارقة أن منطقة الخليج العربي تنتج نصف يوريا العالم تقريباً (26 مليون طن من أصل 48) . أي اضطراب في هذه المنطقة لا يهدد فقط غذاء اليوم، بل يهدد موسم الزراعة القادم في نصف الكرة الشمالي. تخيل معي: موسم زراعة ربيعي بدون أسمدة كافية يعني كارثة غذائية في الخريف.

الدكتور فاضل الزعبي، الخبير الدولي في الأمن الغذائي، يحذر من أن ارتفاع سعر طن الأسمدة 100 دولار يرفع تكلفة الهكتار المزروع بالقمح أو الذرة بين 20 و30 دولاراً . ومع ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، تتضاعف الضغوط على الدول المستوردة.”

العالم العربي: بين المخزون الاستراتيجي وشبح الرفوف الفارغة

“السؤال المقلق الذي يطرحه المواطن العربي اليوم: هل سأجد رغيف الخبز غداً؟

لنبدأ بدول الخليج. هذه الدول تستورد 80 إلى 90% من غذائها . المخزون الاستراتيجي في الإمارات والسعودية يغطي عادة 4 إلى 6 أشهر . لكن الخبير الدولي فاضل الزعبي يطمئن: دول الخليج تتجاوز هذه النسبة إلى أكثر من 12 شهراً في القمح .

المشكلة ليست في الكمية فقط، بل في إمكانية وصولها. تعطل ميناء جبل علي في دبي – الذي يخدم نحو 50 مليون شخص في الإقليم – يعني تحويل العبء اللوجستي إلى الطرق البرية عبر السعودية. دول مثل قطر والكويت والبحرين أصبحت ‘مغلقة برياً’ فعلياً، وتعتمد على ‘جسر بري’ ينطلق من موانئ البحر الأحمر السعودية .

هذا التحويل كلّف الكثير: 1200 كيلومتر إضافية من النقل البري المبرد، تضاعف تكلفة الخدمات اللوجستية 30%، وارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة في المنطقة الشرقية 200% في الأيام الأولى للأزمة .

أما في المشرق العربي، فالصورة مختلفة. الأردن يمتلك نحو 15 شهراً من القمح، لكن السلع الأساسية الأخرى لا تتجاوز 3-4 أشهر . مصر أعلن رئيسها أنها في حالة ‘شبه طوارئ اقتصادية’ نتيجة تداعيات الحرب على أسعار الصرف وتكاليف الاستيراد .

لكن الخطر الأكبر يبقى على لبنان…”

لبنان: من أزمة إلى أقسى

“لبنان، البلد الذي لا يزال يرزح تحت آثار انفجار المرفأ والإنهيار الاقتصادي، يواجه اليوم تهديداً جديداً. تقرير حديث عن انعدام الأمن الغذائي في لبنان يشير إلى أنه رغم التحسن الطفيف في 2025، فإن الحرب الحالية وتوقف حركة الطيران والملاحة في الموانئ الإقليمية يهددان بإعادة 18% من اللبنانيين إلى دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد بحلول تموز المقبل .

تخيل معي: 18% من اللبنانيين، أي نحو مليون شخص، قد يجدون أنفسهم غير قادرين على تأمين وجبة طعام يومية. في بلد كان يعتمد على مرفأ بيروت كشريان حياة رئيسي، قبل أن يتحول إلى رماد. في بلد يعتمد على الاستيراد لتأمين 85% من غذائه.

المشكلة اللبنانية مركبة: من جهة، توقف حركة الشحن البحري في المنطقة يرفع كلفة التأمين والنقل. شركات تأمين بحري رئيسية ألغت تغطيات ‘مخاطر الحرب’ للسفن العاملة في المياه الإيرانية ومحيط الخليج، ما يعني ارتفاع كلفة الرحلة الواحدة وشروط تغطية أشد . ومن جهة أخرى، توقف حركة الطيران يعني تعطيل وصول السلع عالية القيمة والأدوية.

اللافت أن دول الخليج تحركت سريعاً لطمأنة المستهلكين. الإمارات أكدت توفر السلع الغذائية الأساسية بكميات كافية. قطر فتحت 33 فرعاً كبيراً على مدار 24 ساعة. الكويت حظرت تصدير السلع الغذائية وثبتت الأسعار . لكن هل تملك لبنان القدرة على اتخاذ إجراءات مماثلة؟”

القطاعات الأخرى: الطيران والشحن تحت النار

“قطاع الطيران المدني تلقى الموجة الأولى من التأثيرات. أكثر من 5400 رحلة جوية ألغيت في يومين فقط في 7 مطارات رئيسية في الخليج . مطارات دبي وأبوظبي والدوحة – مراكز العبور الجوي بين آسيا وأوروبا وأفريقيا – تحولت إلى محطات أشباح.

الخطوط الجوية القطرية علقت رحلاتها. شركات عالمية مثل لوفتهانزا والخطوط الفرنسية والسنغافورية ألغت رحلاتها حتى منتصف آذار .

هذا الإغلاق ليس مجرد إزعاج للمسافرين. إنه شلل لسلاسل توريد كاملة تعتمد على الشحن الجوي للسلع عالية القيمة والأدوية والمواد سريعة التلف.”

التوقعات المستقبلية: هل نحن أمام حرب استنزاف طويلة؟

“التسريبات من الجانب الإسرائيلي تشير إلى الاستعداد لمواجهة مع إيران تستمر لمدة شهر على الأقل . الجيش الإسرائيلي يخطط لتوسيع نطاق عملياته وتكثيف هجماته على البنية التحتية العسكرية والصناعية والتكنولوجية الإيرانية .

في المقابل، يرى محللون عسكريون أن مسار الحرب لا يزال مفتوحاً على احتمالات متعددة: إما تصعيد أوسع يشمل أطرافاً إضافية، أو تحول تدريجي إلى حرب استنزاف طويلة .

الخبير الدولي فاضل الزعبي يؤكد أن الأزمات المتكررة – من جائحة كورونا إلى حرب أوكرانيا إلى هذه الحرب – دفعت العالم إلى البحث عن بدائل لسلاسل الإمداد. مشاريع مثل ‘الممر الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا’ أو الربط بين العراق وتركيا لم تعد ترفاً، بل ضرورة. لأن تعطيل الإمداد لا يرفع الأسعار فقط، بل يهدد وصول الغذاء في توقيته الملائم .”

“في النهاية، يبقى المواطن العربي العادي هو الأكثر تضرراً من هذه الحرب. بين صواريخ باليستية وطائرات مسيرة، يبحث عن لقمة عيش آمنة. بين تصريحات سياسية وتهديدات عسكرية، يقلب عينيه في الرفوف خوفاً من أن يجدها فارغة.

ربما يكون الدرس الأهم الذي نخرج به من هذه الأزمة هو أن الأمن الغذائي لم يعد مجرد ملف تنموي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي. الدول التي استثمرت في مخزونات استراتيجية وبدائل لوجستية هي الأكثر قدرة على الصمود. أما الدول الهشة، فستظف دائماً على حافة الهاوية.

نترككم مع سؤال: هل تتوقع أن تتدخل وساطات دولية لإنهاء هذه الحرب قبل أن تتحول إلى كارثة إنسانية شاملة؟ شاركونا آراءكم في التعليقات.