وفي هذا الإطار، قال الخبير فاضل الزعبي، “في خطوة تستحق الإشادة والتأمل معاً، وقّعت وزارة الزراعة اتفاقيات دعم مع عدد من المصانع الغذائية ضمن مشروع تحفيز الصناعات في المدن الصناعية والتنموية والبلديات. وتُمثّل هذه الاتفاقيات التي تشمل شركة الأرض المقدسة للصناعات الغذائية المتخصصة بتجفيف الفواكه والخضراوات بتقنية التجميد، وشركة النعمة لصناعة الأعلاف القائمة على إعادة تدوير المخلفات العضوية، نموذجاً واعداً للتكامل بين القطاعين الزراعي والصناعي.
وأضاف الزعبي، انه “لا يمكن إنكار الأثر الإيجابي لهذه الاتفاقيات على أكثر من صعيد. فمن الناحية الاقتصادية، تُسهم بخلق قيمة مضافة حقيقية للمنتج الزراعي المحلي بدلاً من تصديره خاماً أو إهداره، كما تُوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مناطق تنموية، تحتاج إلى تنشيط اقتصادي كمحافظة المفرق ومنطقة الموقر“.
وبين أن توظيف تقنية التجفيف بالتجميد في مصنع الأرض المقدسة، يُشير إلى توجه نحو التصنيع عالي القيمة القادر على المنافسة في الأسواق الخارجية، في حين تُجسّد شركة النعمة نموذجاً للاقتصاد الدائري بتحويل المخلفات إلى ثروة، ما يُعزز الاستدامة البيئية ويُخفف من تكاليف الإنتاج الحيواني على المزارعين.
وأشار الزعبي إلى أن الاستفادة القصوى من هذه الاتفاقيات، تستلزم تبنّي إجراءات علمية مدروسة. فعلى صعيد الربط بسلاسل القيمة، ينبغي بناء هذه المصانع وفق عقود مسبقة مع المزارعين، لضمان استمرارية التوريد وتحقيق الأمان الإنتاجي لكلا الطرفين.
وشدد على أهمية إجراء دراسات سوقية دقيقة، تُحدد الأسواق المستهدفة محلياً وإقليمياً ودولياً قبل انطلاق الإنتاج، وربط هذه المشاريع بمنظومة بحثية، تضم المركز الوطني للبحوث الزراعية والجامعات الأردنية، لتطوير المنتج وتحسين جودته باستمرار”. داعيا لوضع مؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، لمتابعة أثر هذه المشاريع على الدخل الزراعي ومعدلات التشغيل والصادرات.
وأضاف الزعبي، أن التجارب الدولية الناجحة، لا سيما في هولندا وتركيا، تشير إلى أن نجاح هذا النوع من المبادرات يرتكز على 3 محاور: أولها التكامل الرأسي الكامل من المزرعة إلى المستهلك ضمن سلسلة قيمة متكاملة وموثقة. وثانيها، توفير خدمات بعد الدعم، بمعنى ألا يتوقف دور الحكومة عند توقيع الاتفاقية، بل يمتد ليشمل الدعم التسويقي والفني والتدريبي طوال مراحل التشغيل. وثالثها؛ إنشاء مجمعات صناعية زراعية متكاملة تجمع عدة صناعات غذائية تكميلية في موقع واحد لتقليل التكاليف اللوجستية وتعزيز التنافسية.
وتساءل: أين القطاع الخاص من هذه المعادلة؟ وكم حجم الدعم الحكومي المقدَّم، والبيئة التشريعية المتاحة، والموقع الجغرافي المتميز للأردن؟ فكل هذه العوامل، تُشكّل أرضية خصبة لاستثمارات خاصة كبرى في الصناعات الغذائية، غير أن الاستجابة ما تزال دون المأمول، مبينا أن ثمة ترددا مزمناً لدى كبار المستثمرين في المجازفة بالاستثمار في قطاع يُعدّ ركيزة للأمن الوطني، في حين لا تتوانى شركات أجنبية عن اقتناص الفرص ذاتها.
وقال الزعبي، إن القطاع الخاص مدعو لتجاوز منطق الانتظار والتحفظ، والانخراط بجدية في شراكات إستراتيجية مع الحكومة، قبل أن تتقدم المنافسة الإقليمية وتملأ الفراغ. مبينا أنه لن تُحقق هذه الاتفاقيات أهدافها المرجوة، ما لم تُرافقها منظومة حوكمة صارمة وشفافة.
ولفت إلى أن ذلك، يستلزم نشر تقارير دورية عن مراحل تنفيذ المشاريع وأثرها الفعلي بصورة يمكن للرأي العام الاطلاع عليها، وإنشاء لجان متابعة مستقلة، تضم ممثلين عن القطاع الخاص والمجتمع المدني والأوساط الأكاديمية، فضلاً عن اعتماد آليات واضحة للمحاسبة في حال التقصير أو الانحراف عن الأهداف المرسومة، مبينا أن الشفافية ليست ترفاً إدارياً، بل هي الضامن الأساسي لتحويل الاتفاقيات من ورق إلى واقع، ومن نوايا حسنة إلى إنجازات قابلة للقياس والتقييم.
وأوضح الزعبي بأن الأردن، يمتلك كل المقومات اللازمة لجعل قطاعه الزراعي والصناعي الغذائي، رافعةً حقيقية للتنمية المستدامة، وما ينقصنا ليس الإرادة السياسية وحدها، بل الانضباط المؤسسي والجرأة الاستثمارية والشفافية في التنفيذ.