د الزعبي لصحيفة النهار اللبنانية: الأمن الغذائي العربي في مهبّ حرب إيران

د الزعبي لصحيفة النهار اللبنانية: الأمن الغذائي العربي في مهبّ حرب إيران

ثمة من يصف الأزمة الراهنة بأنها تمثل “تهديداً وجودياً” للأمن الغذائي العربي. يرى الدكتور فاضل الزعبي، المستشار والخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي وتحويل النظم الغذائية والتنمية الريفية والتعافي بعد الأزمات، أن هذا التوصيف “مبالغٌ فيه في الوقت الحالي، لكن ثمة معطيات عديدة تؤكد أن المنطقة تواجه ضغوطاً متزايدة على أمنها الغذائي، سواء من ناحية التوافر الكمي، أو من ناحية القدرة الشرائية”. تُشير البيانات إلى أن أكثر من ثلثي الدول العربية تعاني من معدلات فقر تتجاوز 35%، وهي الفئة الأكثر تضرراً من تضخم أسعار الغذاء الذي يتجاوز اليوم التضخم العام في 54% من دول المنطقة، وفقاً لـ “استجابة البنك الدولي لتزايد انعدام الأمن الغذائي“.

تستورد دول الخليج 80 إلى 90% من احتياجاتها الغذائية، ويمر 70% من هذه الواردات عبر هرمز. وتشير التقديرات إلى أن الاحتياطيات الاستراتيجية في الإمارات والسعودية تغطي 4 إلى 6 أشهر، لكن مع استمرار الحرب، بدأت تظهر مخاوف من “نفاذ الرفوف”. يعلّق الزعبي على هذه البيانات قائلاً لـ “النهار”: “المعايير العالمية تحدد فترة المخزون الاستراتيجي بين 4 و6 أشهر، لكن دول الخليج تتجاوز ذلك إلى أكثر من 12 شهراً في القمح. الأردن يمتلك نحو 15 شهراً من القمح، بينما تتراوح السلع الأساسية الأخرى بين 3 و4 أشهر. مع ذلك، يبقى الخطر قائماً إذا تعرضت هذه المخزونات للاستهداف العسكري أو السيبراني، كما حدث في الموصل في 2014 أو في محاولة اختراق صوامع الأردن مؤخراً”، مذكراً بأن غياب الإنتاج الداخلي في دول الخليج يجعلها تعتمد كلياً على الاستيراد. ورغم إغلاق بعض الطرق الرئيسية، “فإن البدائل قائمة عبر العراق والأردن ولبنان ومصر وموانئ البحر الأحمر، وهذا لا يعني الانهيار، لكنه يفرض إرهاقاً مؤسسياً متفاوتاً بين دولة وأخرى، بحسب حجم المخزون الاستراتيجي ومرونة الاستجابة للأزمات”. أما دول المشرق  العربي، كسوريا والأردن ولبنان، فتتمتع – بحسب الزعبي – بنسبة جيدة من الإنتاج المحلي، لكنها لا تكفي لتغطية كامل “السلة الغذائية” الأساسية (قمح وزيوت وسكر) ما يضع ميزانياتها تحت ضغط هائل نتيجة الاعتماد على الاستيراد.

أدى تعطل ميناء جبل علي في دبي، الذي يخدم نحو 50 مليون شخص في الإقليم، إلى تحويل العبء اللوجستي كله إلى الطرق البرية عبر السعودية. وأصبحت دول مثل قطر والكويت والبحرين “مغلقة برياً” فعلياً، وتعتمد الآن على “جسر بري” ينطلق من موانئ البحر الأحمر السعودية (جدة وينبع) وصولاً إلى هذه الدول عبر آلاف الكيلومترات من الطرق الصحراوية. وتتسبب عمليات تحويل مسار السفن إلى ميناء جدة، بدلاً من الدمام والجبيل، في إضافة 1200 كم من النقل البري المبرد، ما أدى إلى تضاعف تكلفة الخدمات اللوجستية 30%، وانعكس ذلك في ارتفاع أسعار الخضروات والفاكهة في المنطقة الشرقية 200% في الأيام الأولى للأزمة. يقول الزعبي إن الأزمات المتكررة، منذ جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، دفعت العالم إلى البحث عن بدائل لسلاسل الإمداد، مثل مشروع “الممر الهندي-الشرق الأوسط-أوروبا” أو الربط بين العراق وتركيا، فهذه المشاريع لم تعد ترفاً بل ضرورة، فتعطيل الإمداد لا يرفع الأسعار فقط، بل يهدد وصول الغذاء في توقيته الملائم“.

 ثمة وجه مستتر للأزمة: الأسمدة الزراعية. يذكّر الزعبي بأن منطقة الخليج العربي تنتج نصف اليوريا في العالم تقريباً (26 مليون طن من أصل 48)، ما يجعل أي اضطراب في هذه المنطقة مؤثراً على الإنتاج الزراعي العالمي، “وارتفاع سعر الطن 100 دولار يرفع تكلفة الهكتار المزروع بالقمح أو الذرة بنحو 20 إلى 30 دولاراً. ومع ارتفاع أسعار الطاقة والشحن والتأمين، تتضاعف الضغوط على ميزانيات الدول المستوردة”.

هذه الصدمة في المدخلات الزراعية تؤدي حتماً إلى انخفاض غلة المحاصيل في المواسم المقبلة، وإلى تفاقم المشكلات التي تواجهها مظلة الأمان الاجتماعي. ويختم الزعبي محذراً: “إن الدول العربية التي تعيش نزاعات وتعتمد على المعونات الإنسانية هي الأكثر عرضة للتأثر. وارتفاع الأسعار يهدد بضعف قدرة الهيئات الدولية على توفير التمويل، خصوصاً أن الدول المانحة نفسها تمر بفترات انكماش اقتصادي”.