في كل عام، وعلى نحو شبه مُقنَّن، يتحول شهر رمضان المبارك إلى موسم لاختبار هشاشة منظومتنا الزراعية. وهذا العام لم يكن استثناءً، إذ بلغت أسعار البندورة في بعض أسواق المملكة أعلى من 60 قرشاً للكيلوغرام، في مشهد لم يفاجئ أحداً ممن يتابعون القطاع عن قرب، لكنه أثار موجة من التصريحات التي تتشابه في مضمونها من عام لآخر.
الطقس شمّاعة مريحة
لم يتأخر المسؤولون في تقديم التفسير الجاهز: البرودة، وانتقال العروة، وتراجع المعروض. وهذه كلها حقائق موضوعية لا يمكن إنكارها، فالظروف المناخية فعلاً أثّرت في الإنتاج، وفجوة العروات الموسمية بين الأغوار الجنوبية والشمالية حقيقة زراعية راسخة. غير أن السؤال الجوهري الذي لا يُطرح بصراحة كافية هو: لماذا نكتشف هذه الفجوة كل عام بعد وقوعها لا قبلها؟ وإن كانت الظروف المناخية متوقعة بأدوات الرصد المتاحة اليوم، فلماذا لا تستوعبها خطط الإنتاج مسبقاً؟
الحقيقة التي يُدركها أهل الميدان جيداً هي أن المشكلة ليست في الطقس، بل في غياب منظومة تنظيم الإنتاج الزراعي القائمة على بيانات حقيقية وتخطيط استراتيجي يسبق الأزمة لا يلحق بها.
المزارع يُصوّت بقدميه
الشاهد الأقوى على عمق الأزمة لا يأتي من أرقام السوق المركزي، بل من قرار المزارع نفسه. فمن كان يزرع مئة وحدة زراعية من البندورة العام الماضي لم يزرع العام الحالي سوى عشر وحدات أو لم يزرع أصلاً، بسبب تراكم الديون وانعدام التمويل، وبعد سنوات من الخسائر حين انهالت الكميات على السوق دون مشترٍ بسعر مجزٍ. وهذا التحوّل ليس نزوةً فردية، بل هو رسالة اقتصادية صريحة من القطاع الأضعف في سلسلة القيمة: المزارع يخرج لأن البقاء لم يعد مجدياً.
ارتفاع أسعار الأسمدة والبذور والطاقة وأجور النقل والعمالة جميعها ضغطت على هامش الربح حتى كاد يختفي. وتعدد حلقات الوسطاء بين المزرعة والمستهلك يزيد السعر النهائي دون أن يعود بأثر يُذكر على المنتج الأول. وهنا يظهر الخلل الهيكلي في سلسلة القيمة التي لم تُعالَج جدياً منذ عقود.
الدولة التي تراجعت ولم تُعوَّض
منذ تسعينيات القرن الماضي، سارت الأردن بخطى ثابتة نحو تحرير القطاع الزراعي وخصخصة مؤسساته، وهذا توجه له مسوّغاته الاقتصادية. غير أن المشكلة أن الدولة تراجعت دون أن تُوجِد البديل الكافي: لا تمويل زراعي ميسّر يحل محل دعم مدخلات الإنتاج، ولا شبكة أمان تسويقية تقي المزارع من انهيار الأسعار موسمياً، ولا منصة معلوماتية تربط المنتج بالسوق بشفافية وسرعة. النتيجة: مزارع وحيد في مواجهة سوق متقلب، يخسر حين تكثر الكميات ويُحرم من الاستفادة حين ترتفع الأسعار لأن الوسيط هو من يقطف الفارق.
رمضان ليس سبباً بل كاشف
ما يحدث في رمضان من تذبذب في أسعار الخضار ليس ظاهرة موسمية معزولة، بل هو مرآة تعكس واقعاً بنيوياً مزمناً: ضعف التخطيط الزراعي الاستراتيجي، وهشاشة سلاسل التوريد أمام أي اضطراب مناخي أو موسمي، واختلالات التسويق التي تجعل المزارع دائماً الحلقة الأضعف. وإذا بقيت التغيرات المناخية تسير في اتجاهها الراهن — وكل المؤشرات تؤكد ذلك — فإن هذا النقص الموسمي في الخضار سيتكرر ويتعمق في السنوات المقبلة.
ما المطلوب؟
لا يكفي في كل أزمة إصدار البيانات والطمأنة إلى أن الأسعار ستستقر قريباً. المطلوب أولاً الاعتراف بأن المنظومة تحتاج إلى إعادة هندسة حقيقية، تبدأ بالاستثمار في البحث العلمي لتطوير أصناف نباتية قادرة على التكيف مع موجات البرد والحر، ثم بناء منظومة تخطيط زراعي تعتمد بيانات دقيقة وتُترجَم إلى توجيه فعلي للمزارعين حول ما يُزرع وأين ومتى. يُضاف إلى ذلك تفعيل التعاقد الزراعي بين المنتجين والمستهلكين المؤسسيين، وتقليص حلقات الوساطة، ودعم التمويل الزراعي بوصفه استثماراً في الأمن الغذائي لا منحةً اجتماعية.
وطالما أن استراتيجيتنا الزراعية في مواجهة رمضان لا تتجاوز انتظار انتقال العروة والتحلي بالصبر، فإن البندورة ستواصل تحديها الموسمي لنا، وسنواصل نحن تقديم الأعذار ذاتها.