د الزعبي لصحيفة الغد: تعليمات استيراد الحيوانات الحية.. أين النقص؟

د الزعبي لصحيفة الغد: تعليمات استيراد الحيوانات الحية.. أين النقص؟

إدارة ملف استيراد اللحوم الخبير الدولي في الأمن الغذائي 
د. فاضل الزعبي، قال انه في ظل تصاعد الطلب على اللحوم الحمراء وارتفاع أسعارها في السوق المحلية، تضطلع وزارة الزراعة بدور محوري في إدارة ملف الاستيراد، وفق منظومة اشتراطات صارمة، تبدأ قبل وصول أي شحنة بأشهر، وتنتهي بالرقابة الميدانية على المنفذ.
وأضاف الزعبي، إن هذه المنظومة لا تُبنى على قرارات إدارية داخلية حسب، بل تستند في جوهرها إلى ركيزتين مرجعيتين دوليتين هما: (WOAH) ومنظمة (FAO) عبر لجنة الدستور الغذائي.
وفي هذا النطاق، فإن (WOAH) هي من يصدر دليل صحة الحيوان البري الذي يُحدد المعايير الدولية لتحسين صحة الحيوان ورعايته وصحة الحيوان البيطرية العامة في العالم، بما يشمل معايير التجارة الدولية الآمنة في الحيوانات الحية ومنتجاتها. ويُعدّ هذا الكود المرجعَ القانوني الأول الذي يلتزم به الأردن بوصفه عضواً في المنظمة، وتشدد على أن التدابير الصحية المرتبطة بالتجارة الدولية، ينبغي أن تستند لمعاييرها، وتحديداً تحليل مخاطر الاستيراد من كود الحيوانات البرية، إذ يوجّه الدولَ المستوردة لإجراء هذا التحليل في غياب توصيات المنظمة حول عوامل ممرضة أو سلع بعينها. 
وأضاف الزعبي، إن (FAO) وعبر لجنة الدستور الغذائي تقدم معايير ومبادئ توجيهية وقواعد ممارسة دولية لحماية صحة المستهلكين وضمان العدالة في تجارة الغذاء، وتُعترَف بها في اتفاقية منظمة التجارة العالمية بشأن تدابير الصحة والصحة النباتية بوصفها المرجع الدولي لسلامة الغذاء.
كما تُشجّع اتفاقية تطبيق تدابير الصحة والصحة النباتية (SPS) الدولَ الأعضاء في منظمة التجارة العالمية على تناسق تشريعاتها الوطنية مع المعايير الدولية التي تضعها لجنة الكودكس لسلامة الغذاء، والمنظمة العالمية لصحة الحيوان، واتفاقية حماية النباتات لصحة النباتات. والأردن، بانتمائه إلى منظمة التجارة العالمية وعضويته في WOAH وFAO، ملزم بمواءمة إجراءاته مع هذه الأطر.
ولا يمكن فتح أي منشأ استيراد من دولة جديدة ما لم يثبت سلامته الوبائية. فوفق WOAH، يتعين على الدول المستوردة، الاطلاع على المعلومات المتعلقة بالوضع الصحي للحيوانات في الدول المصدِّرة، والتحقق من اللوائح والإجراءات المعمول بها، للحفاظ على الخلو من الأمراض المدرجة، وكذلك التقارير الدورية الفورية عن حدوث الأمراض القابلة للإبلاغ. 
وأفاد الزعبي أن الأردن يعتمد في هذا التقييم على قاعدة بيانات WAHIS (نظام معلومات صحة الحيوانات العالمي) التابعة لـ WOAH، وترصد الأمراض ذات الخطورة العالية كالحمى القلاعية وجنون البقر والطاعون البقري. ولا يُفتح المنشأ في حال وجود وباء نشط، مهما كانت جاذبية السعر أو حجم المعروض.
وبين الزعبي، أن WOAH تحدد نموذجاً موحداً للشهادة البيطرية للتجارة الدولية في الحيوانات الحية، إذ تشترط وزارة الزراعة الأردنية، أن تكون هذه الشهادة موقَّعة من طبيب بيطري مفوَّض رسمياً في الدولة المصدِّرة. لافتا إلى أن مبادئ كودكس الفاو، تقتضي بأن الفحص قبل الذبح، يجب أن يُجرى تحت إشراف مفتش بيطري، حتى حين يُنفَّذ من موظف مدرَّب تدريباً كافياً من غير الأطباء البيطريين. وهذا الاشتراط ينعكس على الأردن، باجراء فحص للحيوانات في الدولة المصدِّرة قبل الشحن.
وأشار الى أنه عند الوصول إلى أي منفذ أردني، يُطبَّق الحجر البيطري الإلزامي. ويتولى أطباء بيطريون الكشف على الحيوانات، وسحب العينات للفحوصات المخبرية، والتحقق من مطابقة الشهادات لاشتراطات كود WOAH.
وبين الزعبي، انه في العام الماضي، فتحت وزارة الزراعة مناشئ جديدة لاستيراد الضأن والعجول، ضمن حزمة قرارات تضمنت وقف تصدير الخراف الحية، للجم ارتفاع الأسعار. ويكشف هذا القرار أن اعتماد المناشئ ليس خياراً تقنياً صرفاً، بل أداة سياساتية تُوظَّف لتحقيق التوازن في السوق وصون الأمن الغذائي.
وفي مسألة التهريب العابر للحدود، الذي يعد الثغرة الأخطر في المنظومة ، إذ تبقى حدة آلية الاستيراد الرسمية محدودة الأثر، ما لم تُعالَج ظاهرة التهريب، وبما أن الاردن يقع بين ثلاث قارات، فهذا يجعله منطقة ترانزيت ساخنة لنقل الحيوانات بشكل قانوني وغير قانوني، وهذا ينطبق على الحيوانات المعدّة للاستهلاك أيضاً، لا على الحيوانات البرية وحدها. فالحيوانات التي تدخل خارج المنافذ الرسمية لا تخضع لأي شهادة بيطرية ولا حجر صحي، ما يُشكّل ثغرة وبائية حقيقية، تُبطل جهود الاعتماد المسبق للمناشئ. كذلك محدودية اللقاحات وإشكالية التطابق المناعي.
واعتبر الزعبي انه هذه نقطة ذات حساسية عالية في المنظومة الصحية البيطرية، ففي كانون الثاني (يناير) 2023، تفشّت الحمى القلاعية الوبائية SAT-2 بمنطقة ضليل بمحافظة الزرقاء، وهي مركز رئيس لإنتاج الألبان من الأبقار، وطالب مربّو الأبقار السلطات بفتح تحقيق في أسباب تصاعد العدوى في قطعانهم رغم تلقّيها اللقاحات، ليتبيّن بأن المرض سببه سلالة وبائية غريبة تحمل الرمز SAT-2، وهي لم تكن مسجّلة في الأردن من قبل، ويرجَّح بأنها دخلت من العراق. وتُثبت الدراسات الجينية أن سلالات SAT2/XIV التي ضربت الأردن والبحرين وعُمان في كانون الثاني (يناير) 2023 مصدرها شرق أفريقيا، وقد شقّت طريقها عبر العراق وصولاً إلى الأردن.
واعتبر الزعبي، أن المشكلة البنيوية تكمن في أن اللقاحات المتوافرة كانت مطابِقة للسلالات المعتادة، لكنها غير فاعلة ضد هذا النوع الجديد، ما يكشف عن قصور في نظام الترصّد الوبائي القادر على رصد السلالات المستجدة مبكراً وتحديث اللقاحات بالتوافق معها.
وأضاف، إن خبراء الثروة الحيوانية ينبهون لضرورة تحسين قدرات المختبرات للكشف السريع عن الأمراض، وتدريب الأطباء البيطريين على أحدث أساليب التشخيص، وزيادة عدد العيادات البيطرية في المناطق الريفية. وهذا يعني ضمنياً أن هذه القدرات ما تزال دون المستوى المطلوب.
عادلة متكاملة
وقال الزعبي إن التعليمات الأردنية لاستيراد الحيوانات الحية، مبنية على معادلة متكاملة في بنيتها الرسمية، وعلى السلامة الوبائية المُثبَتة وفق معايير WOAH والتفتيش الميداني المسبق والشهادة البيطرية المطابقة لكود الحيوانات البرية واشتراطات كودكس الفاو في سلامة الغذاء، بالإضافة لحجر بيطري عند الوصول، بحيث يكون استيرادا مُجازا. وأي خلل في حلقة من هذه الحلقات يعني إيقاف الشحنة فوراً، بصرف النظر عن الاعتبارات الاقتصادية. 
وبين أن هذا الإطار القانوني والمؤسسي السليم في جوهره، يعاني من ثغرات التهريب العابر للحدود، والذي يتجاوز المنافذ الرسمية ويُبطل جهود الاعتماد المسبق، إلى جانب القصور في التحديث الدوري للقاحات وفق السلالات الميدانية المتداولة كما كشفت أزمة SAT-2 عام 2023، وضعف في منظومة الترصّد الوبائي المبكر، ومحدودية في طاقة الحجر البيطري أوقات الذروة الموسمية ، مبينا انه لا  يعكس ذلك تقصيراً متعمداً بقدر ما يعكس قيوداً هيكلية مرتبطة بالموارد والموقع الجغرافي والمحيط الإقليمي الوبائي غير المستقر. 
وبين ان الحل، لا يكون بتشديد الاشتراطات، بل بالاستثمار الجاد في البنية التحتية البيطرية وتحديث اللقاحات بالتنسيق مع المختبرات المرجعية الدولية، والتعاون الإقليمي الفعلي في مجال الترصّد ومشاركة البيانات الوبائية، وفق ما تدعو إليه كل من WOAH والفاو بوصفهما المرجعيتين الدوليتين الناظمتين لهذا الملف.