الزعبي لصحيفة الغد: الحوكمة البيئية لحماية الثروة الحرجية

الزعبي لصحيفة الغد: الحوكمة البيئية لحماية الثروة الحرجية

الخبير الدولي في الأمن الغذائي  د. فاضل الزعبي، بيّن أن المخاطر البيئية والتغير المناخي وتحديدًا خطر الحرائق البرية على الغابات الوطنية، يتزايد. من هنا يكتسب تصريح “الزراعة”، بعدًا عمليًا، لجمعه بين واجب حماية الثروة الحرجية وتوظيف تقنيات العصر وإشراك المجتمع في هذه المهمة، وكل ذلك في إطار رؤية طويلة الأمد.
 وأضاف الزعبي، أن التصريح الذي جاء على لسان المناصير، يفيد بأن الحماية ليست مجرد إجراءات عابرة لموسم محدد، بل مسار يتطلب بنية مؤسسية راسخة، شفافية في الأداء، وتشاركًا فاعلًا مع المجتمع المحلي والقطاع الخاص. ومع ذلك، فإن قراءة نقدية للتنفيذ، تقودنا إلى أسئلة جوهرية: هل ما أعلن عنه من إجراءات وقائية، جاء ليكون مجرد حلول تقنية عابرة، أم هل توجد بنية مؤسسية قادرة فعلًا على حماية الغابات؟ وأيضًا، هل المشكلة تكمن في غياب خطط متكاملة، أو في ضعف التنفيذ والمتابعة للخطط التي توضع؟
 وقال إن ما قامت به الوزارة من إجراءات ضروري، لكن بقاءه على الورق لا يكفي، ما لم يصاحبه فعل ميداني: فرق استجابة مدربة، ومعدات حديثة، وشبكات اتصال مُعززة، وآليات تنظيم واضحة، لرفع مستوى الانتباه والتدخل السريع.
 وأضاف، إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في الإنذار المبكر، وكشف الاعتداءات على الغابات والأحراج، يطرح سؤالًا عن مدى ترابط التكنولوجيا مع واقع التنفيذ الميداني، فهل هناك خطوط سريعة للتدخل عند إصدار الإنذار؟ وهل النظام محكوم بآليات مساءلة شفافة تقيس أثره وتحد من الإنذار الزائف، وتطويعه بما يخدم حماية الغابات لا تهديمها، أو تعطيل عمل الجهات المعنية؟ فالتقنيات الحديثة إضافة مهمة، لكنها ليست بديلًا عن حوكمة مُحكّمة، وبناء مؤسسي يحول الإنذار لاستجابة فورية وفعالة.
 وبيّن الزعبي، أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يجب ألا يظل مجرد إعلان عن عقد مع شركة مختصة، بل ضرورة لبناء قدرات محلية مستدامة في الاستشعار ونظم المعلومات الجغرافية ونَسْق البيانات، إلى جانب برامج تدريبية مستمرة للمناطق المعنية، والمجتمعات المحلية. كما أن هناك حاجة واضحة لإطار يضمن تمويلًا مستدامًا لصيانة الأنظمة وتحديثها، ووجود آليات قانونية ورقابية، تضمن ألا تبقى الاعتداءات على الثروة الحرجية، مجرد أخبار تُطفئها إجراءات ظرفية من دون علاج جذري للثغرات البنيوية الموجودة في النظام الرقابي والتنفيذي.
 واعتبر مبادرة الـ10 ملايين شجرة خطوة، تثير أسئلة جوهرية حول المعيار الذي يقاس به نجاحها. فعدد الأشجار ليس معيارًا كافيًا للنجاح، ما لم يصحبه تقييم مستمر لجدوى كل عملية غرس من حيث التربة والماء والتنوع الحيوي ووجود مصادر ري مستدامة. فالمحك الحقيقي ليس بزراعة الأشجار فقط، بل بمعدل بقائها ونموها وجودة التجذر والتكيف مع التغير المناخي، بالإضافة لوجود آليات لمراقبة الصحة النباتية والتأثيرات البيئية المحتملة على الموائل الطبيعية والحياة البرية.
 وفي جانب الاقتصاد المرتبط بالزراعة الحرجية، فإن الحديث عن زراعة شجر الخروب ومصنع لمنتجاته كخيار اقتصادي للمجتمعات الريفية، أمر واعد، لكن تطبيقه يحتاج لإطار اقتصادي واضح يوازن بين الربح والبيئة وتنوع النظم البيئية. فالمخاطر هنا تكمن في التحول لمشروع أحادي المحصول، قد يعرّض المجتمع لمخاطر اقتصادية حين تتقلب الأسعار أو تتراجع الأسواق، بالإضافة لاحتمال تجاهل التنوع الحيوي، وتوفير حماية كافية للموائل الطبيعية.
 وأوضح الزعبي، أن السؤال حول التنفيذ والحوكمة، المتمثل بكيفية التصديق بأن هذه التدابير ستكون فعالة إذا كانت هناك شكوى مستمرة من ضعف التنفيذ ضد التعديات على الغابات، في ظل وجود خطط موسمية لمواجهة الحرائق، يقابله غياب للتنفيذ المستدام طوال العام، سيضعف ثقة المجتمع ويجعل الحوكمة البيئية رهينة قرارات طارئة، لكنها ليست كافية لبناء منظومة حماية فعالة.
 ولفت إلى أنه لا يمكن الاكتفاء بتعزيز الإنذار والتقنيات الحديثة، دون أن يعد نظام عمل مستدام ومتكامل للمجتمع والمؤسسات والجهات الأمنية والقضائية، يقي الغابات من التآكل المستمر ويؤمن استمرارية الغطاء الحرجي. موضحًا بأن غياب التوعية العامة والمشاركة المجتمعية، ضعف لا يمكن تجاهله؛ إذ بدون معرفة المواطنين بحقوقهم ومسؤولياتهم في حماية الموائل والأحراج، لن نستطيع ترجمة أي تقنية حديثة إلى واقع تمتد إليه يد المجتمع والتعاون الإقليمي.
 ودعا الزعبي لوضع أسس واضحة، تعزز إطار الحوكمة والشفافية وفق آليات رصد وتقييم علنية للمشروعات الحرجية، وإطلاق هيئة إشراف وطنية ترسخ المشاركة المجتمعية، وتتابع تنفيذ البرامج بمساءلة وشفافية. كما يتوجب بناء قدرات تشغيلية مستدامة عبر تدريب فرق الحماية وتحديث شبكات الإنذار وربطها بخطة استجابة وطنية واضحة، وتحقيق تمويل مؤسسي مرن، يتيح مشاريع حيوية أقرب إلى الواقع الميداني مع حوافز لاستدامة الأداء.
 أما المسألة المائية والبيئية، فدعا لأن تكون حجر زاوية للتوسع في الغطاء الحرجي، مع تقييم دقيق للموارد المائية، وتبني تقنيات ري مستدامة، وتنوع في أنواع الشتلات، وتحديد مناطق مناسبة للزراعة بعيدًا عن المناطق الحساسة بيئيًا.