الخبير الدولي في مجال الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي رأى أن إطلاق المنتدى يأتي في توقيت تتقاطع فيه ضغوط شُح المياه مع ارتفاع كلف المدخلات الزراعية وتسارع تأثيرات تغير المناخ، معتبرا أنه يمثل منصةً وطنيةً يُراد لها أن تُعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمزارع والمعرفة. وأضاف الزعبي لـ”الغد” أن الخطوة، في ظاهرها، تستجيب لتحوّل دولي وإقليمي نحو نماذج إرشاد أكثر تكاملاً وتشاركية ورقمنة، غير أن جدواها الفعلية ستُقاس بمعيار واحد لا غير، وهو هل ستتحوّل المنصة الجديدة إلى أداة تنفيذ، أم ستبقى إطاراً تنسيقياً يُضاف إلى ما سبقه؟ وبين أن هذه المبادرة تنطلق من قراءة رسمية ترى أن الأردن بات نموذجاً إقليمياً متقدماً في خدمات الإرشاد، خاصة في مساري التحوّل الرقمي والزراعة الذكية مناخياً، وأن “الخطة الوطنية لتطوير الإرشاد الزراعي 2024–2030” توفّر إطاراً إستراتيجياً لتحديث الخدمة، وتوسيع الشراكات، وبناء منصة إرشاد تفاعلية تقدّم خدمات رقمية تشمل التدريب الإلكتروني والإرشاد المبني على البيانات والتواصل المباشر مع المزارعين، كما يرتبط المنتدى بنظيره العربي للخدمات الإرشادية الريفية، في محاولة لربط الجهد الوطني بسياق إقليمي أوسع. وزاد أن قراءة المشهد بعيداً عن لغة البيانات الرسمية تكشف عن أن الإرشاد الزراعي في الأردن يعاني من إشكاليات بنيوية متراكمة لا تُعالَج بإعلان منصة، فالعدد الفعلي للمرشدين الميدانيين تراجع خلال العقدين الماضيين، فيما اتسعت الفجوة بين التوصيات الفنية وقدرة المزارع الصغير على تطبيقها، في ظل ضيق هامش الربح وارتفاع كلف الطاقة والأسمدة والمياه. وقال إن السؤال الأكثر حساسية سيبقى حول قدرة الإرشاد الرقمي على الوصول الفعلي إلى المزارع في الأغوار الشمالية أو المرتفعات الجنوبية، وهل تتوفر لديه أدوات الاتصال والمهارات الرقمية والثقة المؤسسية للتفاعل مع منصة إلكترونية حكومية؟ وأضاف إن ثمة تساؤلات أخرى تستحق الطرح بهدوء، منها، هل يمتلك المنتدى صلاحيات قرار، أم أنه هيكل تنسيقي طوعي بين جهات لكلٍّ منها أولوياتها وتمويلها وتقاريرها؟ وهل تم تحديد مؤشرات أداء قابلة للقياس تُتيح، بعد عامين أو ثلاثة، الحكم الموضوعي على ما إذا كان المنتدى قد رفع فعلاً كفاءة استخدام المياه أو حسّن تبنّي الممارسات الذكية مناخياً، أم أن التقييم سيظل أسير لغة “تعزيز” و”دعم” و”تكامل”؟ ثم، ما الضمانات التي تحول دون أن يلقى المنتدى مصير تجارب سابقة بدأت بزخم احتفالي ثم انكفأت إلى الأرشيف المؤسسي؟ وأكد ان النقد هنا ليس انتقاصاً من المبادرة، بل تأطيرٌ لشروط نجاحها، فالتحوّل من إرشاد تقليدي إلى نظام إرشادي متعدد الأطراف يتطلب أكثر من منصة رقمية وخطة إستراتيجية؛ ويتطلب إعادة تأهيل للكوادر الميدانية، وتمكيناً للجمعيات التعاونية ومنظمات المنتجين، وحوكمةً واضحة تُحدّد من يُقرّر، ومن يموّل، ومن يُحاسَب، كما يتطلب تكاملاً حقيقياً مع سياسات المياه والتجارة والدعم، إذ لا معنى لإرشاد يطالب المزارع بالتحوّل إلى أصناف منخفضة الاستهلاك المائي في غياب تسعير عادل للمياه وقنوات تسويق مستقرة لتلك الأصناف. وتابع: “أما على المستوى العملي، فيكتسب المنتدى فرصة جدية للنجاح إذا اتجه نحو ثلاثة مسارات متوازية: أولها بناء قاعدة بيانات وطنية مفتوحة للمزارعين والحيازات والممارسات، تُغذّي القرار وتقيس الأثر؛ وثانيها تصميم نموذج “إرشاد هجين” يجمع الزيارة الميدانية بالخدمة الرقمية، مع إعطاء أولوية صريحة لصغار المزارعين والنساء الريفيات؛ وثالثها ربط تمويل الإرشاد بنتائج قابلة للتحقق لا بإجراءات روتينية، عبر آليات تعاقد قائمة على الأداء مع القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني. وأضاف: كما يُستحسن أن يُفتح المنتدى أمام مراجعة دورية مستقلة تنشر نتائجها علناً، تعزيزاً للثقة العامة وضماناً لاستمرار الزخم السياسي.