فاضل الزعبي، الرئيس السابق لبعثة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة «الفاو»، ينبّه إلى أن هذه الاستثمارات تظل مرتبطة بقرارات الدول المضيفة، التي قد تعيد توجيه الإنتاج للسوق المحلي في الظروف الاستثنائية. ويستشهد بأنّ السودان أعاد توجيه الإنتاج لسوقه المحلي، وأنّ إثيوبيا فرضت قيوداً تصديرية على مزارع قطرية، وأنّ الحرب الأوكرانية جعلت استثمارات «الظاهرة» رهينة للقرارات السيادية في كييف.
وهنا تكمن المفارقة الجوهرية. فالخطر على الأمن الغذائي الخليجي لم يعد يعني رفوفاً فارغة، بل تضخّماً مستورداً يصل عبر قنوات متعدّدة، كلفة الشحن المرتفعة، وأسعار الطاقة، والأسمدة التي يمرّ ثلث تجارتها العالمية عبر هرمز، وأقساط التأمين البحري المتصاعدة.
الفاو بدورها تضع القمح والأرز والزيوت النباتية والأسمدة تحت ما يسمّيه الزعبي «المراقبة الحمراء»، محذّراً من أنّ معظم دول الخليج تستورد بين «90 و 100%» من احتياجاتها من هذه السلع تحديداً.
على صعيد الإنتاج المحلي، بدأت الزراعة العمودية والمائية تدخل السوق بأرقام ملموسة، إذ بلغت الإمدادات 900 طن سنوياً من مزرعة واحدة في دبي، يضاف لها مشاريع مماثلة في أبوظبي والرياض. لكنّ الزعبي يصفها بأنّها «مكمّلات لا بدائل»، إذ تتركّز في الخضروات الورقية بينما تبقى الحبوب والزيوت شريان الحياة الغذائية خارج نطاقها. القيمة الحقيقية لهذه المشاريع استراتيجية لا إنتاجية، إثبات أنّ الخليج قادر على الزراعة في بيئة صحراوية، لكن ليس بالحجم الذي يُغني عن الاستيراد.
ما يجعل تحديات الأمن الغذائي الخليجي قصّة نجاح جزئي لا انتصار نهائي، هو أن المنطقة بنت مرونة تشغيلية حقيقية مخزونات عميقة وموانئ التفافية وتنسيق إقليمي عبر الأمانة العامة لمجلس التعاون. لكنّها لم تُلغِ هشاشتها البنيوية المتمثّلة في الاعتماد الكثيف على الاستيراد والأمن المائي الهشّ.
يختصر الطوقي المرحلة المقبلة بعبارة واحدة، «الوحدة الخليجية اللوجستية أصبحت إلزاماً، وما كان مؤجّلاً يجب أن يُطبَّق فوراً». وإلى أن يتحوّل هذا الإلزام إلى مخزن غذائي مشترك – على غرار مشروع الدواء الخليجي المشترك – وشراء جماعي موحّد وربط سككي يصل موانئ بحر العرب بقلب العواصم الخليجية، سيظلّ الخليج أكثر استعدادًا للصدمات.