الزعبي للغد: الزراعة العضوية والمحمية.. هل تسهمان بتحقيق أمن غذائي مستدام؟

الزعبي للغد: الزراعة العضوية والمحمية.. هل تسهمان بتحقيق أمن غذائي مستدام؟

بيّن خبير الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، إذا كانت الزراعة المحمية تعالج كفاءة الإنتاج، فإن الزراعة العضوية تركز على استدامة النظام الزراعي وصحة الإنسان والبيئة.
وتابع، يعتمد هذا النمط الزراعي على تقليل أو منع استخدام الأسمدة والمبيدات الصناعية، والاعتماد بدلًا منها على التسميد العضوي، والدورات الزراعية، والمكافحة الحيوية للآفات، بما يعزز خصوبة التربة ويحافظ على التنوع البيولوجي.
وأضاف، تؤكد دراسات بيئية أن التربة العضوية أكثر قدرة على الاحتفاظ بالمياه والكربون، ما يساهم بالتخفيف من آثار التغير المناخي وتحسين مقاومة الجفاف، كما أن تقليل الاعتماد على المدخلات المستوردة، مثل الأسمدة الكيماوية والمبيدات، يقلل من تأثر القطاع الزراعي بتقلبات الأسعار العالمية وسلاسل التوريد.
ولفت إلى أنه من الناحية الصحية، يزداد الطلب العالمي على المنتجات العضوية بسبب انخفاض متبقيات المبيدات فيها وارتفاع معايير السلامة الغذائية، ويقدر حجم سوق المنتجات العضوية عالميًا بمئات المليارات من الدولارات، مع نمو متواصل سنويًا، ما يفتح فرصًا اقتصادية مهمة أمام الدول القادرة على دخول هذا السوق.
وأشار إلى أن الزراعة العضوية ليست مجرد توجه بيئي، بل نموذج اقتصادي قادر على خلق فرص عمل خضراء وتحقيق قيمة مضافة أعلى للمزارعين.
وقال رغم أهمية كل من الزراعة العضوية والزراعة المحمية بشكل منفصل، فإن الاتجاه الأكثر تقدمًا اليوم يتمثل بدمج النظامين ضمن ما يعرف بـ”الزراعة العضوية المحمية”.
ويجمع هذا النموذج بين كفاءة استخدام المياه والطاقة داخل البيوت المحمية، وبين إنتاج غذاء صحي وآمن وفق المعايير العضوية، كما يسمح بالتحكم الأفضل بالآفات وتقليل استخدام المبيدات، وتحقيق إنتاج مستقر على مدار العام، وفقًا للزعبي.
وتابع، يُنظر لهذا النظام باعتباره من “أفضل الممارسات الزراعية” بالمناطق الجافة ومحدودة الموارد، لأنه يحقق توازنًا بين الإنتاجية والاستدامة البيئية.
كما أن هذا التوجه يمكن أن يساهم في تعزيز الاكتفاء الذاتي الغذائي، خاصة في الخضراوات والفواكه الطازجة، وتقليل الاعتماد على الاستيراد في ظل اضطرابات الأسواق العالمية. واقتصاديًا، يوفر هذا التحول فرصًا جديدة للاستثمار الزراعي والتكنولوجيا الخضراء، ويفتح المجال أمام شركات ناشئة متخصصة في أنظمة الري الذكية والطاقة الشمسية والتقنيات الزراعية الحديثة.
وزاد أنه رغم المزايا الواضحة، فإن التحول نحو الزراعة العضوية المحمية لا يخلو من التحديات، فالكلفة الأولية لإنشاء البيوت المحمية ما تزال مرتفعة نسبيًا، خاصة للمزارعين الصغار، كما أن الزراعة العضوية تتطلب خبرات فنية متخصصة، وفترة انتقالية قد تنخفض خلالها الإنتاجية مؤقتًا. إضافة إلى ذلك، تواجه المنتجات العضوية تحديات مرتبطة بالحصول على شهادات الاعتماد والتسويق والوصول للأسواق التصديرية.
لكن هذه التحديات ليست مستحيلة الحل، فالعديد من الخبراء يدعون لتبني سياسات حكومية داعمة تشمل تقديم قروض ميسرة، ودعم إنشاء البيوت المحمية، وتوسيع برامج التدريب والإرشاد الزراعي، وتشجيع البحث العلمي في مجالات الزراعة الذكية والمستدامة. كما يمكن للجامعات ومراكز الأبحاث أن تلعب دورًا محوريًا في تطوير أصناف نباتية ملائمة للزراعة العضوية المحمية، وأكثر قدرة على تحمل الحرارة والجفاف.
وأشار أن نجاح هذا التحول يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات والقطاع الخاص والمزارعين والمؤسسات البحثية، بحيث يصبح الأمن الغذائي جزءًا من منظومة التنمية الاقتصادية والبيئية الشاملة.
وقال لم يعد النقاش يدور حول “الزراعة التقليدية أو البدائل الحديثة” بقدر ما يتعلق بكيفية بناء نظام غذائي أكثر قدرة على الصمود والاستدامة، فالزراعة التقليدية ستبقى جزءًا من المشهد الزراعي، لكنها بحاجة لإعادة هيكلة وتحديث لتتلاءم مع واقع الموارد المحدودة والتغيرات المناخية المتسارعة.
أما الاستثمار بالزراعة العضوية داخل البيئات المحمية، فلم يعد ترفًا بيئيًا أو خيارًا نخبويًا، بل أصبح ضرورة إستراتيجية لضمان الغذاء والمياه والاستقرار الاقتصادي في المستقبل.
ولفت إلى أن الحاجة تبدو ملحة أمام صانعي القرار لإعادة صياغة السياسات الزراعية، وتوجيه الاستثمارات نحو التقنيات الزراعية المستدامة، ودعم المزارعين للتحول التدريجي نحو أنظمة إنتاج أكثر كفاءة وأمانًا. فالأمن الغذائي في القرن الحادي والعشرين لن يتحقق بزيادة الإنتاج فقط، بل بإنتاج غذاء مستدام يحافظ على الإنسان والموارد والبيئة في آن واحد.