قال خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي إن هناك خلطاً شائعاً بين مفهوم الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، مبيناً أن نجاح الدول في تحقيق الأمن الغذائي لا يُقاس بقدرتها على إنتاج جميع ما تستهلكه من غذاء محلياً.
وأوضح أن الأمن الغذائي يعني حصول كل فرد، في كل وقت، على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍ يلبي احتياجاته، سواء كان إنتاجه محلياً أو مستورداً، مشيراً إلى أن المعيار الأساسي يتمثل في توافر الغذاء وإمكانية الوصول إليه والاستفادة منه.
وأشار الزعبي إلى أن دولاً مثل سنغافورة تستورد أكثر من 90% من احتياجاتها الغذائية، ومع ذلك تعد من الدول الأكثر أمناً غذائياً، نتيجة اعتمادها على تنويع مصادر الغذاء، وبناء الشراكات، والتخزين الاستراتيجي، والاستقرار الاقتصادي.
وبيّن أن هذا التمييز مهم لفهم واقع الأردن، في ظل محدودية الموارد الطبيعية، إذ يعد نصيب الفرد من المياه المتجددة من الأدنى عالمياً، إلى جانب محدودية الأراضي الصالحة للزراعة واعتماد جزء كبير من الإنتاج الزراعي على مياه الأمطار.
ولفت إلى أن الموسم المطري 2024-2025 كان من أضعف المواسم منذ عقود، بعد سلسلة من المواسم دون المعدل، ما يجعل الإنتاج الزراعي أكثر عرضة لتقلبات المناخ.
وقال إن الأردن لا يملك ترف السعي إلى تحقيق اكتفاء ذاتي كامل من محاصيل مثل القمح، الذي لا يغطي الإنتاج المحلي منه سوى نحو 3% من الاستهلاك، فيما تستورد المملكة نحو 1.15 مليون طن سنوياً، إضافة إلى الشعير والأرز والسكر والزيوت النباتية، وهي سلع يصعب إنتاجها محلياً بكميات اقتصادية بسبب استهلاكها المرتفع للمياه.
وأشار الزعبي إلى أن نسبة الاكتفاء الذاتي الغذائي الكلي في الأردن ارتفعت إلى 61.4% عام 2024، فيما حققت المملكة اكتفاءً ذاتياً كاملاً في الحليب الطازج وبيض المائدة، معتبراً أن ذلك يؤكد إمكانية تحقيق تقدم أكبر عند توجيه الموارد نحو السلع التي يمتلك الأردن فيها ميزة نسبية حقيقية.
وأضاف أن أحد أبرز التحديات يتمثل في الترابط بين أمن الطاقة وأمن الغذاء، موضحاً أن ضخ المياه الجوفية وتحليتها وتشغيل شبكات الري وتبريد سلاسل التوريد كلها عمليات تحتاج إلى الطاقة، ما يجعل ارتفاع أسعار النفط أو الغاز عالمياً ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الغذاء ونقله وتوزيعه.
ولفت إلى أن الموقع الجغرافي للأردن يمثل تحدياً إضافياً، في ظل اعتماد المملكة على ممرات إقليمية لاستيراد الغذاء والطاقة، تمر بمناطق تشهد اضطرابات متكررة، مشيراً إلى أن أي اضطراب في هذه الممرات قد يهدد استمرارية الإمدادات وليس الأسعار فقط.
وأكد أهمية التخزين الاستراتيجي وتنويع مصادر الاستيراد، مشيراً إلى أن الأردن يحتفظ بمخزون استراتيجي من القمح يغطي نحو ثمانية أشهر من الاستهلاك، وهو مستوى معقول يحتاج إلى تطوير مستمر في آليات إدارته وتجديده.
ورأى الزعبي أن الوصول إلى أمن غذائي حقيقي لا يتطلب محاولة زراعة كل شيء محلياً، وإنما إدارة الفجوة بذكاء، من خلال تنويع مصادر الاستيراد، والاستثمار في الزراعة عالية القيمة والكفؤة مائياً، كالزراعة المحمية وإعادة استخدام المياه المعالجة، إلى جانب تعزيز الشراكة مع القطاع الخاص في التخزين والنقل والخدمات اللوجستية.
كما دعا إلى تعزيز الحوكمة المؤسسية لملف الأمن الغذائي، مشيراً إلى إنشاء المجلس الأعلى للأمن الغذائي في حزيران 2025 برئاسة رئيس الوزراء، مع ضرورة أن يتحول من إطار تنسيقي إلى جهة قرار فاعلة قادرة على تحديد الأولويات بين الجهات المعنية.