الزعبي للغد: قمحنا البلدي: مكسبٌ للريف قبل المخزون

الزعبي للغد: قمحنا البلدي: مكسبٌ للريف قبل المخزون

الزعبي للغد: كيف يسهم دعم الحكومة لشراء الحبوب بالتنمية الريفية وحماية المزارعين؟

الأمين العام للتحالف الوطني لمكافحة الجوع د. فاضل الزعبي، قال إن هذا القرار يأتي للمرة الثانية في موسم واحد، بزيادة مخصصات شراء القمح والشعير البلديين من إنتاج الموسم الزراعي 2026/2025، لتبلغ 59 مليون دينار بدلاً من 45 مليوناً، بهدف رفع الكميات المشتراة من المزارعين من 110 آلاف طن إلى 147 ألفا. 
وأضاف الزعبي، أن الحكومة ضاعفت هذه المخصصات في حزيران (يونيو) الماضي لـ45 مليون دينار، بعد أن كانت 19 مليوناً في الموسم الماضي الذي اشترت فيه 40 ألف طن فقط. وتعديل الرقم مرتين خلال أشهر قليلة، يشير إلى أن ما عرضه المزارعون للبيع فاق التقديرات الأولى. وقد جاء القرار معنوناً بتعزيز المخزون الإستراتيجي، غير أن السؤال الأجدى بالطرح هو: ما الأهمية الحقيقية لهذا القرار، وأين يقع أثره الأكبر؟ الجواب: أن أثره الأكبر يقع في القرى الزراعية قبل الصوامع. فهذه الملايين ليست بنداً محاسبياً في ملف المخزون، بل سيولة نقدية تصل مباشرة إلى مجتمعات تعيش على هامش الاقتصاد الوطني، بحيث تضيق فرص العمل ويشتد دافع الرحيل نحو المدن. ومزارع الحبوب البعلية هو الحلقة الأضعف في القطاع الزراعي كله: يزرع دون ري، ويحصد بعائد لا يعرفه مسبقاً، ثم يقف عند التسويق أمام تاجر يدرك أنه لا يملك مخزناً ولا يحتمل الانتظار. 
وحين تلتزم الدولة بشراء محصوله بسعر معلن، فإنها تنزع عنه أثقل عبئين يحملهما: خطر السعر وخطر التصريف. وهذان الخطران، لا ضعف الإنتاجية وحده، هما ما دفع كثيرين عبر السنين لهجر زراعة الحبوب أو الاكتفاء بتأجير الأرض للرعي.
وقال الزعبي إن أثر هذا الالتزام، يمتد لما بعد الموسم الحالي، فالمزارع الذي يطمئن لوجود سوق لمحصوله أقدر على إبقاء أرضه في دورة الإنتاج بدل تركها بوراً أو التفريط بها أمام الزحف العمراني الذي يقضم الأراضي البعلية عاماً بعد عام، وأقدر على سداد ما تراكم عليه من ديون والاستعداد للموسم التالي. 
وأضاف أن الأثر يتسع ليشمل حلقات التشغيل المحيطة بالحصاد، من الحصادات إلى النقل والتعبئة والتخزين، وهي أنشطة صغيرة لكنها تحفظ لقرى كثيرة شيئاً من حيويتها الاقتصادية. ثم إن المال الذي يُصرف في موسم الحصاد، يتحول سريعاً لإنفاق داخل الاقتصاد المحلي، في محالّ القرية وورشها وخدماتها، فيصل أثره إلى من لا يملكون أرضاً أصلاً. والإبقاء على زراعة الحبوب ليس مسألة اقتصادية خالصة، فهو جزء من صون النسيج الاجتماعي لهذه المجتمعات وارتباطها بأرضها.
وقال الزعبي، لكن الأمانة التحليلية تقتضي ألا نفترض بأن هذه المنفعة تصل تلقائياً لصغار المزارعين. فالشراء الحكومي يكافئ الكمية المسلّمة، ومن يسلّم أكثر يقبض أكثر، ما يعني أن الحصة الأوفر من المخصصات، تذهب بحكم الآلية نفسها للحيازات الكبيرة، ولمن يملك الآليات ووسائل النقل. أما صاحب الحيازة الصغيرة الذي يتعذر عليه إيصال محصوله لمراكز الاستلام، أو لا يقوى على انتظار صرف مستحقاته، فقد يضطر للبيع لوسيط بسعر أدنى، فيذهب جزء من الدعم لغير مقصده. عند هذه النقطة يصبح تصميم آليات الاستلام، وقرب مراكزها، وسرعة الدفع، أبلغ أثراً من حجم المخصصات ذاته.
وأشار إلى أن الإنتاج البعلي، يبقى رهينا بالمطر. والموسم الجيد الذي رفع الكميات المعروضة لا يعني أن مساراً جديداً قد بدأ، فموسم شحيح واحد، يكفي لإعادة الأرقام للوراء مهما ارتفعت المخصصات. لذلك لا تُقاس جدوى هذه السياسة، بما تحقق هذا العام، بل بقدرتها على التحول لالتزام ثابت يبني عليه المزارع قراره قبل البذار، لا لتعديل يأتي بعد الحصاد.
أما في ميزان الأمن الغذائي، فبين الزعبي، أن الحساب مختلف والتنبيه الأول هو أن الكميات المعلنة هي ما تشتريه الحكومة، لا إجمالي الإنتاج الوطني، إذ يذهب جزء من المحصول للاستهلاك الذاتي والبذار والسوق الحرة، وإن كانت هي الكميات التي تدخل فعلاً في المخزون الاستراتيجي. ومهما بدت الزيادة لافتة قياساً بالموسم الماضي، فهي تظل جزءاً محدوداً من حاجة المملكة السنوية من الحبوب، في بلد يستورد الجزء الأكبر من قمحه وشعيره. والفجوة هنا ليست فجوة درجة يردمها قرار أو قراران، بل فجوة بنيوية تصنعها ندرة المياه ومحدودية الأراضي الصالحة لزراعة الحبوب وتنامي الطلب.
وبين أنه لتقريب الصورة، يمكن تشبيه المخزون الاستراتيجي بخزان يُملأ من أنبوبين: أنبوب رئيس هو الاستيراد، وأنبوب فرعي هو الإنتاج المحلي. ومن المفيد توسيع الأنبوب الفرعي، لكنه لن يغيّر حقيقة أن امتلاء الخزان مرهون بالأنبوب الرئيس، وأن اضطراب الأسواق العالمية أو خطوط الشحن سيبقى العامل الحاسم. ومع ذلك فلكل طن محلي قيمة تتجاوز حصته الحسابية، وهو طن لا يعبر البحار، ولا يخضع لتقلب الأسعار الدولية وكلف النقل، ولا تطاله قرارات حظر التصدير التي تلجأ إليها الدول المنتجة في الأزمات. وفي لحظات الاضطراب يكتسب هذا الطن وزناً يفوق وزنه في الجداول.
والشعير يستحق ملاحظة مستقلة، فمعظمه يذهب علفاً، ودعم إنتاجه المحلي يمسّ مباشرة كلفة تربية المواشي ودخل مربيها، فهو أقرب لدعم الإنتاج الحيواني والاقتصاد الريفي منه إلى تأمين رغيف الخبز.