الزعبي للغد_التسويق الزراعي أم الإنتاج .. من يقود الآخر لضمان أثر مستدام؟

الزعبي للغد_التسويق الزراعي أم الإنتاج .. من يقود الآخر لضمان أثر مستدام؟

بين خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أنه في الاقتصاد الزراعي لا يتحدد دخل المزارع عند حدود حقله، بل عند بوابة السوق، وهذه حقيقة ظلت الزراعة الأردنية تدفع ثمنها لعقود، لأن السياسات الوطنية انشغلت طويلاً بتوسيع الإنتاج وتحسين الإنتاجية، وتركت التسويق يتشكل عفوياً بيد الوسطاء وموازين قوى غير متكافئة.


وأضاف الزعبي أن الأرقام تشير إلى أن القطاع الزراعي أثقل وزناً مما يوحي به حجمه الظاهري، ففي عام 2024 ساهم هذا القطاع بنسبة 5.8  % من الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة مضافة تجاوزت 1.9 مليار دينار، استحوذ الإنتاج النباتي منها على 72.7  %، والإنتاج الحيواني 27.3  %.


وتابع: “أما الأداء التصديري فسجل قفزة لافتة؛ إذ ارتفعت الصادرات الزراعية والغذائية من 695.8 مليون دينار عام 2020 إلى 1.334 مليار دينار عام 2024، بنمو تجاوز 91 %، وتضاعفت صادرات المنتجات النباتية تقريباً من 292.6 إلى 606.1 مليون دينار، فيما نمت صادرات الحيوانات الحية ومنتجاتها من 175.4 إلى 268.6 مليون دينار، وبذلك لم يتبقَّ على هدف رؤية التحديث الاقتصادي البالغ 1.6 مليار دينار بحلول 2033 سوى فجوة محدودة بنحو 270 مليون دينار”.


وبين أن هذا النجاح التصديري يخفي اختلالاً بنيوياً في الداخل، فالمسار التاريخي للسياسات التسويقية يوضح كيف تراكم الخلل، إذ في الستينيات والسبعينيات، ومع مشاريع الري الكبرى في الأغوار، تولت مؤسسات تسويقية حكومية وتعاونية شراء المحاصيل من المزارعين وتسويقها داخلياً وخارجياً ضمن سياسة تستهدف الاكتفاء الذاتي، لكن هذا الدور لم يُبنَ على بنية تنظيمية تحدد ماذا يُنتج ومتى وكيف يُسوَّق، فبقي الإنتاج رهن التقدير الفردي للمزارع، وتكرر الفائض الموسمي وانهارت الأسعار في مواسم الذروة.


وتابع: “بعد 1985، ضعفت المؤسسات التعاونية، وأُلغيت أدوات مثل التسعير الإرشادي دون بديل مؤسسي، ففُقد ما يمكن تسميته الهوية التسويقية للمنتج الأردني، وتشرذمت المسؤولية بين وزارتي الزراعة والصناعة والتجارة واتحاد المزارعين والنقابات المتخصصة”.


وزاد: “وفي العقدين الأخيرين ترسخ السوق المركزي في عمّان كنقطة التقاء رئيسة، يتداول أكثر من 60 % من المنتجات الزراعية بنظام مزادات يومية تفتقر إلى الشفافية، حيث تُحدَّد الأسعار دون معايير موضوعية للجودة أو التكلفة، ودون جهة رقابية أو تحكيمية تضمن الإنصاف”. 


وأشار الزعبي إلى أن تكلفة هذا الخلل قابلة للقياس، إذ خسر القطاع أكثر من 300 مليون دينار خلال ثلاث سنوات نتيجة قرارات تنظيمية غير منسقة، أي ما يعادل 0.8 % من الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من 250 مليون دينار خلال عقد بسبب تعطل حركة الصادرات إلى الأسواق التقليدية، وأكثر من 60 % من المستثمرين الزراعيين يشكون من غياب الاستقرار التشريعي والتنظيمي، وتتراوح مديونية المزارعين بين 400 و500 مليون دينار، وهي نسبة مرتفعة قياساً بمساهمة القطاع في الناتج.


وزاد: “في هذا السياق، جاء تأسيس الشركة الأردنية الفلسطينية لتسويق المنتجات الزراعية (JPACO) عام 2021، برأس مال 18 مليون دولار مناصفة بين البلدين، وبمجلس إدارة يضم الوزارتين واتحاد المزارعين الأردنيين واتحاد الفلاحين الفلسطينيين، وكانت ولاية الشركة تتجاوز التصدير إلى استعادة الأسواق الخارجية التقليدية وفتح أسواق جديدة، وإنشاء محطات تدريج وتعبئة، وتنظيم السوق المحلي ومعالجة تشوهاته، والتوسع في الزراعة التعاقدية التي تمنح صغار المزارعين سوقاً معلومة قبل الزراعة لا بعد الحصاد”. 


وأشار إلى أن الشركة حققت نتائج ملموسة على المسار التصديري. إذ استعادت ست عشرة سوقاً أوروبية، وزادت صادراتها إلى السوق الخليجية عبر السعودية بنسبة 28 %، وفتحت عبر فرعها في فلسطين أسواقاً جديدة للأفوكادو الفلسطيني في دبي وتركيا، وتستهدف خطتها للموسم 2026 2027 التوسع في الكويت والعراق وتركيا، ويرافق ذلك دعم حكومي مباشر للشحن الجوي بمليوني دينار لعام 2026، صُرف مليون ونصف المليون منها خلال أقل من ستة أشهر، إلى جانب مشروع مشترك مع الاتحاد العام للمزارعين في محافظة الزرقاء.


واستدرك بالقول: “لكن الأمانة التحليلية تقتضي القول إن المسار الداخلي لم يحقق ما حققه المسار الخارجي، والسبب بنيوي لا إداريا، فالشركة أُنشئت أصلاً كحاضنة تسويقية يُراد نقلها لاحقاً إلى القطاع الخاص، لا كمنظّم للسوق، علما أن شركة تجارية واحدة، مهما اتسعت كفاءتها، لا يمكن أن تعوّض غياب هيئة تنظيمية للسوق الزراعي، ولا غياب غرفة زراعة تمثل المنتجين تمثيلاً حقيقياً، ولا غياب قاعدة بيانات وطنية تربط الأنماط الزراعية بالمساحات والكلف والعوائد واحتياجات السوق”. 


وبين أن الشركة الأردنية الفلسطينية إنجاز يستحق البناء عليه، لا الاكتفاء به، فالتسويق الزراعي ليس نشاطاً تجارياً يُلحق بالإنتاج، بل هو المنظومة التي تحدد ما إذا كانت الزراعة الأردنية قطاعاً مولّداً للدخل والتشغيل والصادرات، أم مجرد نشاط يستهلك مياهاً شحيحة ويوزع خسائره على أضعف حلقاته.