أكد خبير الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي أنه لا يمكن تفكيك أزمة انفلات أسعار اللحوم الحمراء والأضاحي دون توجيه نقدٍ بنيوي لاذع للمنظومة التنظيمية والتعليمات الحالية الصادرة عن وزارة الزراعة والجهات ذات العلاقة.
وقال الزعبي: إن تلك المنظومة تحولت بمرور الوقت من أدوات لحماية السوق والمستهلك إلى بيئة تشريعية خصبة لتكريس الاحتكار والمغالاة السعرية.
وأضاف، إن أبرز هذه الانتقادات يكمن في “سياسة حظر وتقنين رخص الاستيراد” التي تُدار بآلية بيروقراطية جامدة؛ حيث تمنح الوزارة رخص استيراد المواشي الحية لعدد محدود جداً من كبار التجار والشركات النافذة في السوق تحت ذريعة حماية المنتج المحلي، ما خلق نوعاً من “الاحتكار الثنائي أو القلة” في سوق اللحوم المستوردة كالروماني والأسترالي والسوري.
وبين أن هذا التقييد الممنهج جعل تحكّم هذه الفئة القليلة بآليات العرض في السوق أمراً بالغ السهولة، لتقفز أسعار الحلال في مواسم الأعياد إلى مستويات قياسية تفوق كلف الشحن والإنتاج الحقيقية بكثير، وسط غياب تام لأي سقوف سعرية مرنة تفرضها وزارة الصناعة والتجارة قبل مواسم الذروة بمدد كافية.
بالإضافة إلى ذلك، تبرز ثغرة تنظيمية وعملياتية قاتلة في التعليمات الحالية لأمانة عمان والبلديات الكبرى فيما يتعلق بترخيص ساحات وحظائر الأضاحي.
وزاد أن التعليمات الحالية تفرض رسوماً مرتفعة وشروطاً تعجيزية لتخصيص مواقع الذبح، الأمر الذي دفع بمربي المواشي الصغار وأصحاب الحلال الحقيقيين إلى العزوف عن التواجد المباشر في هذه الساحات، تاركين الساحة بالكامل لـ”الوسطاء” وتجار التجزئة الطفيليين الذين يستأجرون هذه الحظائر ويشترون الحلال من المزارع بأسعار بخسة، ثم يعيدون مضاعفة السعر على المواطن بذريعة تغطية كلف الترخيص المرتفعة.
وتابع: “يُضاف إلى هذا الخلل غياب تطبيق إلزامية البيع بالوزن القائم، حيث تسمح التعليمات السائدة حالياً بالبيع العشوائي بالعين والتقدير الجزافي، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للمضاربات السوداء وخداع المستهلكين ليلة العيد، في حين تكتفي فرق الرقابة والتفتيش بالجولات البروتوكولية الصحية دون امتلاك أي صلاحيات قانونية لضبط فوضى الأسعار أو إجبار التجار على إبراز الفواتير وكشوفات التكلفة.”
وقال الزعبي: إن إصلاح هذا الاختلال يتطلب التحول نحو سياسة “السيادة الغذائية التشاركية” التي تتجاوز صلاحيات وزارة الزراعة المنفردة، وتبدأ أولاً بالإلغاء الفوري لسياسة الحصص (الكوتة) في الاستيراد، وفتح الباب أمام أي شركة وطنية تحقق الشروط البيطرية دون قيود كميّة، لضمان تدفق مستمر للحوم المبردة والحية من مناشئ بديلة وغير تقليدية كالسودان وجيبوتي وجورجيا وباكستان لتدمير الحلقات الاحتكارية الحالية.
وزاد: “يترافق ذلك مع تحول نوعي في دور المؤسستين الاستهلاكيتين المدنية والعسكرية، بحيث يتم تعديل أنظمتهما الداخلية ليتحولا من مجرد منافذ بيع بالتجزئة تتعاقد مع المستوردين المحتكرين، إلى مستورد مباشر للحوم الحية والمذبوحة بالوزن من مناشئ رخيصة التكلفة، وطرحها للمواطنين بسعر التكلفة التشغيلية الصافية، ما يجبر السوق المفتوح على الهبوط الاضطراري لمجاراة هذا المنافس الحكومي القوي.”
أما على الصعيد العملياتي المباشر، فبين الزعبي، أنه ولضبط المواسم المقبلة ومواجهة تجاوز سعر رأس الغنم حاجز الـ 350 ديناراً، لا بد من صياغة تآلف تنفيذي بين أمانة عمان والبلديات ونقابة مربي الثروة الحيوانية، يفضي إلى تأسيس أسواق مجانية موازية ومفتوحة “من المنتج إلى المستهلك” مباشرة دون أي وسيط، بحيث تُعفى هذه الأسواق من الرسوم شريطة التزام المزارع بالبيع المباشر للمواطن.
وتابع: “وينبثق عن هذا الإجراء إلزام قانوني صارم ومراقب من مؤسسة المواصفات والمقاييس يمنع البيع بالعين منعاً باتاً، ويفرض وضع موازين إلكترونية في كافة الحظائر المرخصة مع تحديد سقف سعري للكيلو القائم (كأن لا يتجاوز 5.25 دينار للبلدي و 4.25 للمستورد بناءً على دراسات كلف الأعلاف الحالية)”.
وشدد على أن الانتقال بهذه الحلول من الحبر إلى الواقع، بالتوازي مع تسريع تأسيس شركة مساهمة وطنية للأمن الغذائي تملك مخزوناً إستراتيجياً حياً في مزارع تسمين خارجية، هو الكفيل بإنهاء فوضى الأسعار الموسمية وإعادة اللحوم الحمراء إلى الموائد الأردنية بأسعار عادلة ومستدامة للجميع.
وقال: “ولضمان كبح جماح الأسعار في مرحلة ما بعد العيد تحديداً وكسر جمودها الاقتصادي، يتوجب الانتقال من الرقابة المكتبية المجربة سابقاً إلى آلية التدخل السلعي المباشر؛ حيث تقوم وزارة الصناعة والتجارة بالتنسيق مع أمانة عمان والبلديات بإلزام المسالخ المركزية الحكومية بتقديم خدمة الذبح والتوزيع بأسعار مدعومة للجزارين الملتزمين بنسب هوامش ربح منخفضة، بالتوازي مع فتح باب الاستيراد الفوري للحوم المبردة جوّاً وبراً لتعويض أي نقص، ما يمنع تجار التجزئة من التذرع بقلة المعروض المحلي.”
واستطرد: “كما تشتمل الآلية التنفيذية على تفعيل “بطاقة المستهلك الذكية” في منافذ المؤسستين المدنية والعسكرية لتقديم حصص شهرية مدعومة من اللحوم الحمراء الطازجة للأسر ذوي الدخل المحدود والمتوسط، وهو ما يسحب جزءاً كبيراً من القوة الشرائية من السوق التقليدي ويجبر الملاحم التجارية على خفض أسعارها طوعاً لاستقطاب الزبائن بعد أن تفقد احتكارها للمستهلك.”
وقال: إن هذا الجهد يتكامل مع تسريع تأسيس شركة مساهمة وطنية للأمن الغذائي تملك مخزوناً إستراتيجياً حياً في مزارع تسمين خارجية تضخ إنتاجها بانتظام عبر منافذ موازية دائمة، لتكون بمثابة صمام أمان يمنع أي قفزات سعرية مفاجئة.