الزعبي للغد_الزراعة الأردنية بعد الناقل الوطني

الزعبي للغد_الزراعة الأردنية بعد الناقل الوطني

يقول خبير الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي: “لنضع السؤال في سياقه الرقمي؛ حصة الفرد الأردني من المياه المتجددة تدور حول 60 م³ في السنة، أي نحو ثُمن عتبة الفقر المائي المطلق. ومع ذلك، تستهلك الزراعة أكثر من نصف الموارد المائية المتاحة دون أن تؤمّن السلة الغذائية الوطنية، وجزء كبير من هذه الحصة مياه جوفية عذبة تُستنزف بما يقارب ضعف معدل تغذيتها الطبيعية”.
وتابع: “كان الدفاع عن هذه الحصة ممكنا ما دامت المدن نفسها عطشى ولا بديل أمامها، أما بعد عام 2030 فتنقلب المعادلة: كل متر مكعب عذب تستهلكه مزرعة سيُقاس بثمن المتر المحلّى الذي يمكن أن يحل محله في التزويد المنزلي. عندها سيشتد الضغط لإعادة توزيع المياه العذبة بعيدا عن الزراعة، والسؤال الحقيقي ليس: هل سيحدث ذلك؟ بل: هل سيجري بالتفاوض أم بالفرض؟”
وأضاف د. فاضل الزعبي: “إن المنطق الاقتصادي للمقايضة واضح؛ فزيادة التزويد الحضري تعني زيادة المياه العادمة. ومحطة الخربة السمرا تعالج اليوم نحو 130 مليون م³ سنويا تصب في سد الملك طلال لتروي الأغوار، وبعد تشغيل الناقل سترتفع هذه الكميات بما قد يتجاوز 100 مليون م³ إضافية”.
وزاد د. فاضل الزعبي: “أثبتت تجربة مزارعي الأغوار مع المياه المعالجة الممزوجة منذ عقود أن هذا الخيار ممكن زراعيا إذا ضُبطت النوعية وضُمنت الموثوقية. إذن، نظريا، تستطيع الزراعة أن تتنازل عن مياهها العذبة مقابل حصة أكبر وموثوقة من المياه المعالجة، فيكسب الجميع: المدن تشرب، والمزارع يروي، والخزان الجوفي يلتقط أنفاسه”.
وتابع د. فاضل الزعبي: “لكن ذلك يصطدم بحقيقتين لا يجوز القفز عنهما. الأولى جغرافية؛ فالمياه المعالجة تنساب بالجاذبية نحو الغور، بينما يقع الاستنزاف الجوفي الأشد في زراعات المرتفعات في الأزرق والمفرق والضليل، التي لا يمكن إيصال مياه السمرا إليها إلا بضخ عكسي باهظ الكلفة. فخطاب “المقايضة” يخفي أن المستهدف الفعلي هو إغلاق آبار المرتفعات دون بديل حقيقي لأصحابها، وهذا يجب أن يُقال بصراحة ويُعالج بأدوات تعويض لا بالإنكار”.
“والثانية قانونية؛ فحقوق المزارعين المائية ليست حقوق ملكية، بل رخص إدارية قابلة للإلغاء، ولا يوجد في التشريع الأردني آلية تعويض عن سحب حق مائي، ولا إطار تسعيري يجسر الهوّة بين كلفة المتر المحلّى المنقول -وهي كلفة مرتفعة تتحكم فيها أسعار الطاقة أساسا- وتعرفة الري التي ما تزال تُحسب بالفلسات”.
وبيّن د. فاضل الزعبي أن غياب هذين الإطارين يعني أن أي إعادة توزيع ستجري في فراغ قانوني، وأن المزارع سيقف أمامها بلا حماية ولا ثمن عادل لما يتخلى عنه.
وتابع د. فاضل الزعبي: “يُضاف إلى ذلك ملف النوعية؛ فملوحة المياه المعالجة ومحدداتها الصحية تقيدان الخيارات المحصولية، وقد تمسان القبول التصديري لمنتجاتنا في أسواق الخليج وأوروبا إن لم تُحكم المواصفات والرقابة. فالمقايضة إذن ليست مبادلة متر بمتر، بل مبادلة نوعية بنوعية، وهذا فارق يجب أن يُسعّر ويُنظّم، لا أن يُترك للمساومة الظرفية”.
وزاد د. فاضل الزعبي: “إن المطلوب أن تبدأ الدولة من الآن، وليس عام 2030، بصياغة عقد وطني لإعادة توزيع المياه يقوم على خمسة أركان: جدول مقايضة كمي معلن للفترة 2027–2035 يحدد ما ستتخلى عنه الزراعة من مياه عذبة وما ستتسلمه مقابله من مياه معالجة؛ وأداة تشريعية تعرّف الحق المائي الزراعي وتقرر التعويض العادل عند سحبه؛ وسلّم تعرفة يعكس كلفة الندرة ويميز بين مصادر المياه ونوعياتها؛ واستثمار في شبكات نقل وخلط توصل المياه المعالجة إلى حيث يمكن استخدامها فعليا؛ وربط التراخيص المحصولية بمصدر المياه بحيث لا تُروى محاصيل شرهة التصدير بمياه جوفية عذبة بعد اليوم”.
وأضاف د. فاضل الزعبي: “هذا التفاوض لا يجوز أن يُترك لوزارة بعينها، بل يحتاج إلى مظلة وطنية تجمع وزارتي المياه والزراعة وممثلي المزارعين في الأغوار والمرتفعات معا، وبتفويض سياسي رفيع يضمن أن ما يُتفق عليه يُنفذ”.