الجفاف والحق في الغذاء
يرى الخبير الدولي في الأمن الغذائي الدكتور فاضل الزعبي، أن أزمة الأمن الغذائي في كينيا وإثيوبيا لا يمكن اختزالها في آثار الجفاف وحدها، بل تعكس هشاشة هيكلية تراكمت على مدى سنوات نتيجة تداخل التغيرات المناخية مع النمو السكاني السريع وضعف قدرة الأنظمة الزراعية على التكيف، إلى جانب تراجع التمويل المخصص للاستجابة الإنسانية.
ويؤكد الزعبي، في حديثه لـ”صفر”، أن الجفاف لم يعد ظاهرة موسمية مؤقتة، بل تحول إلى عامل دائم يعيد تشكيل واقع الأمن الغذائي في منطقة القرن الأفريقي، ويزيد من هشاشة المجتمعات التي تعتمد بصورة رئيسية على الزراعة والرعي.
وتنسجم هذه القراءة مع ما أورده تقرير “حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم 2025” الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف والصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والذي أشار إلى أن نحو 673 مليون شخص عانوا من الجوع خلال عام 2024، فيما تضم إفريقيا أكثر من 307 ملايين شخص يعانون من الجوع المزمن، تتركز نسبة كبيرة منهم في شرق القارة.
هشاشة زراعية تتفاقم
ويشير الزعبي إلى أن إثيوبيا تمثل إحدى أكثر بؤر الهشاشة الغذائية في إفريقيا، إذ جاءت في المرتبة 100 من أصل 123 دولة على مؤشر الجوع العالمي لعام 2025، بدرجة 24.4، وهو ما يضعها ضمن فئة الدول التي تعاني وضعاً غذائيا خطيرا.
وتشير تقديرات المنظمات الدولية إلى أن أكثر من 10 ملايين شخص يواجهون الجوع أو سوء التغذية، بينهم نحو 3 ملايين نازح داخلياً، بينما يحتاج 4.4 مليون طفل وامرأة حامل ومرضعة إلى تدخلات عاجلة لمعالجة سوء التغذية.
ويضيف أن اعتماد أكثر من 70% من القوى العاملة في إثيوبيا على القطاع الزراعي يجعل أي تراجع في الإنتاج أو فقدان للمحاصيل ينعكس مباشرة على معيشة ملايين الأسر الريفية، ويزيد من مستويات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.
اتساع الفجوة الغذائية
رغم أن كينيا تمتلك اقتصادا أكثر تنوعا مقارنة بإثيوبيا، فإن المناطق الشمالية والشمالية الشرقية لا تزال تواجه أوضاعا غذائية مقلقة بسبب اعتمادها الكبير على الرعي والزراعة التقليدية.
ويشير الزعبي إلى أن نحو 2.8 مليون شخص احتاجوا إلى مساعدات غذائية خلال عام 2025، وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، في حين تتوقع اليونيسف أن يحتاج أكثر من 810 آلاف طفل دون الخامسة إلى علاج من سوء التغذية الحاد خلال عام 2026.
ويرى أن هذه المؤشرات تؤكد أن التحسن الاقتصادي في بعض القطاعات لم ينعكس بالدرجة نفسها على المجتمعات الأكثر هشاشة، التي لا تزال تعتمد بصورة مباشرة على الموارد الطبيعية المتأثرة بالمناخ.
النمو السكاني والحق في الغذاء
يؤكد الزعبي أن موجات الجفاف التي شهدها القرن الأفريقي بين عامي 2020 و2023، والتي تضمنت أربعة مواسم مطرية متتالية فاشلة، تعد من أسوأ موجات الجفاف منذ سبعينيات القرن الماضي.
وأدت هذه الظروف، وفق بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إلى نفوق ما لا يقل عن 9.5 مليون رأس من الماشية في المنطقة، بينها نحو 4 ملايين رأس في إثيوبيا و2.5 مليون رأس في كينيا.
ولا تقتصر الخسائر، بحسب الزعبي، على فقدان مصدر للدخل، بل تمتد إلى تقويض الأمن الغذائي للأسر الرعوية التي تعتمد على الثروة الحيوانية كمصدر رئيسي للغذاء والادخار.
التكيف مع المناخ
يضيف الزعبي أن النمو السكاني المتسارع يزيد من الضغوط على الأراضي الزراعية والموارد المائية، في وقت تتراجع فيه خصوبة التربة وتتوسع رقعة التصحر، وهو ما يجعل تحقيق الأمن الغذائي أكثر تعقيداً في السنوات المقبلة.
ويرى أن المؤشرات الحالية لا توحي بأن كينيا وإثيوبيا تسيران بالوتيرة المطلوبة لتحقيق الهدف الثاني من أهداف التنمية المستدامة، المتعلق بالقضاء على الجوع بحلول عام 2030.
ويؤكد أن تحسين الأمن الغذائي يتطلب تحولاً في السياسات الزراعية، يقوم على الاستثمار في الزراعة الذكية مناخياً، وتطوير أنظمة الري وحصاد المياه، وتمكين المرأة الريفية، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية، وتعزيز قدرة المجتمعات المحلية على التكيف مع آثار التغير المناخي.