والزيوت والسكر، ما يجعل مائدته رهينة لأسعارٍ وسلاسل إمدادٍ لا يتحكم بها. وقد كشفت صدمتا جائحة كوفيد-19 ثم الحرب في أوكرانيا هشاشة هذا النموذج بوضوح. وهنا تحديدا يكمن الدور البنيوي للتعاونيات؛ فهي تعزّز الإنتاج المحلي عبر تجميع صغار المزارعين في كياناتٍ قادرة على تأمين المدخلات، وتوحيد المعايير، وضمان انتظام العرض. وأضاف الزعبي أن أبرز ما تعنى به التعاونية هو إدخال المرونة إلى النظام الغذائي؛ أي إن تنوّع مصادر الإنتاج المحلي وتوزّعها الجغرافي يقللان من أثر أي صدمة في الإنتاج، ويمنحان الدولة هامش مناورةٍ في الأزمات لا توفره سلاسل الاستيراد المركزة. لذا فإن الأمن الغذائي لا يُقاس بحجم المخزون فحسب، بل بقدرة النظام على الصمود والتعافي، وهذه سمةٌ تنتجها التعاونيات. وقال: إن الأردن يواجه معدلات بطالةٍ مرتفعة، تتركز بين الشباب والنساء، وتغذّي هجرة متزايدة من الريف إلى المدن، تُفرغ الأطراف من طاقاتها المنتجة. مبينا أن التعاونية هنا، بوصفها مؤسسة عملٍ محلية المنشأ، تخلق فرصا لائقة حيث يعيش الناس، لا حيث تتكدس المدن، وهي بذلك تعالج ثلاث مشكلات دفعة واحدة: البطالة، والفقر، والاختلال الديموغرافي بين المركز والأطراف. وأضاف أن التجربة الدولية تؤكد أن التعاونيات النسائية على وجه الخصوص تُحدث أثرا مضاعفا، إذ يُعاد استثمار دخل المرأة الريفية في التعليم والغذاء والصحة الأسرية بمعدلاتٍ أعلى، ليتحول العائد الاقتصادي إلى عائدٍ تنموي مركّب. وأضاف الزعبي أن المزارع الفرد في الأردن يُعدّ حلقة ضعيفة في سلسلة القيمة؛ إذ يشتري مدخلاته بالتجزئة وبأعلى الأسعار، ويبيع إنتاجه للوسيط بأدنى الأسعار، ويتحمّل وحده مخاطر السوق. بينما تقلب التعاونية هذه المعادلة عبر أربع آليات متكاملة: خفض تكاليف الإنتاج بالشراء الجماعي للمدخلات، وتحسين القدرة التفاوضية أمام التجار والمصدّرين، والتسويق الجماعي الذي يضمن حجما وجودة يفتحان أبواب الأسواق، والتصنيع الغذائي الذي يحتجز القيمة المضافة في المجتمع المحلي بدل تصديرها خاما. على سبيل المثال، يكمن الفارق بين بيع ثمر الزيتون وبيع زيته مُعبّأ ومُصنّفا في الفارق بين اقتصاد الكفاف واقتصاد القيمة المضافة. وزاد أن الأردن من أفقر دول العالم مائيا، إذ يقلّ نصيب الفرد من المياه المتجددة عن مئة متر مكعب سنويا، أي أقلّ من خُمس خط الشحّ المطلق المعتمد دوليا، بينما يستهلك القطاع الزراعي الحصة الأكبر من الموارد المائية. لذا فإن الإدارة الجماعية للمياه عبر التعاونيات تصبح ضرورة لا خيارا، لأن التعاونية هي الإطار الأمثل لتبنّي الزراعة الذكية مناخيا، وإدخال تقنيات الري الحديث والحصاد المائي، وترشيد استخدام المدخلات، وتوزيع كلفة التكنولوجيا الباهظة على أعضاء لا يستطيع أيٌّ منهم تحمّلها منفردا، بحيث تصبح إنتاجية القطرة الواحدة من الماء، لا مجرد إنتاجية الدونم، هي المؤشر الذي يجب أن تُبنى حوله السياسة الزراعية الأردنية. والتعاونيات في هذا السياق هي الوعاء المؤسسي الأقدر على تحقيق ذلك على نطاقٍ واسع. وأشار الزعبي إلى أن جزءا معتبرا من الإنتاج الزراعي في المنطقة العربية يُهدر بين الحقل والمائدة، ومعظمه يعود إلى ضعف بنية ما بعد الحصاد: التخزين، والتبريد، والفرز، والنقل. أما التعاونية، فبحكم حجمها التجميعي، فهي قادرةٌ على الاستثمار في هذه البنية المشتركة التي يعجز المزارع الفرد عن تمويلها. لذلك فإن تقليص الفاقد ليس مسألة كفاءةٍ فحسب؛ ففي بلدٍ شحيح الموارد يُعدّ بمثابة إنتاجٍ إضافي بلا ماءٍ إضافي ولا أرضٍ إضافية، أي إنه يحقق أرخص صور التوسع الزراعي وأكثرها استدامة. وقال الزعبي: إن الأردن تتقاطع فيه ثلاثة ضغوط: الجفاف المتفاقم، وتذبذب أسعار الغذاء العالمية، واضطراب سلاسل الإمداد. ويكمن القاسم المشترك في مواجهتها في الصمود المجتمعي، وهو ما تنتجه التعاونيات بطبيعتها عبر تقاسم المخاطر، وتجميع المدخرات، وبناء شبكات أمانٍ محلية تمتص الصدمات قبل أن تتحول إلى أزمات معيشية. فالمجتمع المنظّم تعاونيا أقدر على التكيّف من المجتمع المفتّت، لأنه يمتلك ببساطة مؤسسة تخطّط وتفاوض وتستثمر نيابة عن أفراده. وأضاف أن النموذج التعاوني لم يعد مجرد فرضية نظرية. ففي الهند تُعدّ تعاونية “آمول” للألبان، المملوكة لملايين المزارعين، واحدة من كبريات العلامات الغذائية في العالم، وفي شرق أفريقيا تحصل التعاونيات التي تُسوّق البنّ والشاي على حصّة حاسمة من صادرات بلدانها. وفي أوروبا تسيطر التعاونيات الزراعية على حصص سوقية مرتفعة، خصوصا في هولندا والدنمارك وفرنسا، وتقف خلف بعض أنجح شركات الأغذية في العالم. وبيّن الزعبي أن القاسم المشترك بين هذه التجارب يتمثل في أن التعاونية توفّر للمزارع الصغير ما تعجز عنه المزرعة الصغيرة من حيث الحجم والتمويل والتكنولوجيا والوصول إلى الأسواق، وهي عناصر غالبا ما تغيب عن الزراعة في الأردن. وأوضح أن الدرس الأعمق هو أن هذه النجاحات ليست عفوية، إذ إنها تستند إلى بيئةٍ تشريعية داعمة، وتمويلٍ مصمّم لطبيعة التعاونيات، وإدارةٍ تنفيذية محترفة تفصل الملكية عن التسيير. وهذا يعني أن استنساخ التجربة في الأردن ممكن، لكنه مشروط ببناء الشروط المؤسسية نفسها، لا بمجرد تكثير عدد الجمعيات. وأوضح أن الصورة في الأردن، بحكم التقييم الصريح، غير مرضية، إذ يضمّ القطاع التعاوني نحو 1500 جمعية وأكثر من 134 ألف عضو، لكن ثلث هذه الجمعيات تقريبا غير فاعل عمليا. وتكبّل القطاعَ قيودٌ بنيوية متشابكة: ضعف التمويل، وغياب أدوات الإقراض المصممة للطبيعة التعاونية، ومحدودية الحوكمة والإدارة الاحترافية، بما يجعل كثيرا من الجمعيات أسيرة أفرادٍ أو عائلات، وضعف التسويق وانقطاع الصلة بسلاسل القيمة الحديثة، ومحدودية الابتكار والتحول الرقمي، وأخيرا تشتت التعاونيات وصِغر حجمها، بما يُفقدها وفورات الحجم التي تُعدّ مبرر وجودها أصلا. ومن المفارقة أن هذه القيود تتغذى على بعضها؛ فصِغر الحجم يمنع التمويل، وغياب التمويل يعيق الاحتراف، وضعف الاحتراف يُبقي الحجم صغيرا، في حلقةٍ مفرغة لا تنكسر بالتدخلات الجزئية. وقال الزعبي: إن المعالجة يجب أن تكون منظومية لا تجزيئية، وتتلخص في المسارات التالية: تحديث التشريعات التعاونية بما يواكب اقتصاد اليوم، ويسهّل اندماج الجمعيات الصغيرة في كياناتٍ ذات جدوى؛ وإنشاء صناديق تمويل متخصصة بأدواتٍ مصممة للدورة الزراعية والملكية الجماعية، بدل قوالب الإقراض التجاري؛ ودعم التحول الرقمي في الإدارة والتسويق وتتبع المنتج. وأضاف أيضا في هذا الجانب: بناء القدرات الإدارية عبر إدارةٍ تنفيذية محترفة تفصل الملكية عن الإدارة؛ وربط التعاونيات بسلاسل القيمة والتصنيع الغذائي والتصدير؛ وتشجيع التعاونيات النسائية والشبابية باعتبارها الأعلى مردودا تنمويا؛ وبناء شراكة ثلاثية بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الدولية مثل الفاو، والإيفاد، والبنك الدولي، ومنظمة العمل الدولية، لنقل الخبرة والتمويل والأسواق دفعة واحدة.