بين خبير الأمن الغذائي د.فاضل الزعبي، أن كل من يزور غور الأردن يعود إلى بيته ويتغنى بجمال ما رأته عيناه سهول خضراء تمتد على مرمى البصر، وبيوت بلاستيكية تلمع تحت الشمس، وأشجار حمضيات وموز ونخيل تسر الناظرين، لكن خلف هذا الجمال قصة أخرى لا يراها الزائر العابر: قصة مزارع يعيش تحت ضغط الخوف من الصقيع والجفاف والحرائق وشح المياه، يبدأ نهاره قبل الفجر ولا يعرف إن كان موسمه سيصل إلى السوق أم سيذهب في ليلة واحدة.
وأضاف الزعبي، من العدسية والباقورة شمالاً، مروراً بالشونة الشمالية والمنشية ووقاص والمشارع ووادي اليابس وكريمة، وصولاً إلى الأغوار الوسطى والجنوبية، تمتد السلة الغذائية للأردن. هذا الشريط الضيق المنخفض عن سطح البحر يمنح المملكة ميزة زراعية نادرة في الإقليم: خضاراً مبكرة، وحمضيات تغطي حاجة السوق المحلي ويذهب فائضها إلى التصدير، وعشرات آلاف الأسر التي تعتمد على الزراعة مصدراً رئيسياً للدخل، يعيل كل دونم منتج فيها سلسلة كاملة من العمال والناقلين وتجار المدخلات وأسواق الجملة.
وقال الزعبي، إن حرائق الصيف في الغور هي المثال الأوضح على هشاشة هذه المنظومة، ففي كل موجة حر تلتهم النيران مساحات من الأراضي الزراعية، وبعضها في مناطق حدودية يصعب الوصول إليها، فيخسر المزارع أشجاراً أنفق عليها سنوات، ثم يكتشف أن لا وثيقة تأمين تحميه ولا آلية تعويض تعيده إلى الإنتاج.
وأشار الزعبي أن الأغوار تحترق مرتين في كل موسم: مرة بفعل المناخ القاسي، من موجات الحر والجفاف والصقيع وشح مياه الري، ومرة بسبب غياب أدوات فعالة لنقل المخاطر وتعويض المزارعين عند وقوع الكارثة، فالحريق الأول قدر جغرافي، أما الثاني فصناعة مؤسسية يمكن، بل يجب، إطفاؤها.
وزاد فإن المخاطر تتسارع أمام أعيننا، الموسم المطري 2025/2024 كان من أشد المواسم جفافاً في الذاكرة القريبة، ثم جاء موسم 2026/2025 أفضل في مجموع الهطول، لكنه كشف نمطاً أشد خطورة: فترات جفاف طويلة تقطعها أمطار غزيرة مفاجئة، أي تذبذب لا يستطيع مزارع أن يخطط على أساسه، الحمضيات تتراجع إنتاجيتها مع كل موجة حر، والخضار المكشوفة يتلفها الصقيع الشتوي، والأشجار المثمرة تجهد تحت عطش متكرر، يضاف إلى ذلك ارتفاع كلفة الإنتاج، من البذور والأسمدة والطاقة إلى أجور الأيدي العاملة، في وقت تتآكل فيه قدرة المزارع على تحمل أي خسارة إضافية.
وتابع الزعبي ، المشكلة الحقيقية ليست في وقوع الكارثة، بل في أن المزارع حين يخسر موسمه لا يجد منظومة مؤسسية تعيده إلى دورة الإنتاج، فالبنوك تتحفظ على إقراض قطاع مكشوف على المخاطر، وشركات التأمين التجارية تكاد تكون غائبة عن الزراعة، والتعويضات الحكومية، حين تأتي، تأتي متأخرة وجزئية، والنتيجة أن كل موجة صقيع أو جفاف تدفع مزارعين جدد إلى ترك الأرض، وتدفع أبناءهم إلى صفوف الباحثين عن عمل.
وقال الزعبي إن صندوق إدارة المخاطر الزراعية أنشئ قبل أكثر من عقد ونصف، وظل سنوات طويلة إطاراً قانونياً بلا تفعيل حقيقي، قبل أن يبدأ فعلياً بتعويض أضرار الصقيع. ومؤخراً أعيدت هيكلته بقانون جديد يوسع مظلة التغطية ويرفع نسب التعويض، وهي خطوة تستحق التسجيل، لكن الإنصاف يقتضي طرح الأسئلة الجوهرية: هل صُمم الصندوق لطبيعة المخاطر المناخية الجديدة أم لكوارث الأمس؟ الصندوق في جوهره أداة استجابة بعد وقوع الضرر: تقع الكارثة، فتتشكل اللجان، فتُقدَّر الأضرار، فتُصرف تعويضات جزئية، هذا نموذج “الإطفاء بعد الحريق”، لا نموذج الوقاية ونقل المخاطر، وهل يتناسب التمويل المتاح مع حجم القطاع؟ تعويض بضع مئات من المزارعين بمئات آلاف الدنانير بعد منخفض جوي واحد يكشف الفجوة بين حجم الأداة وحجم الخطر. وهل إجراءات إثبات الضرر سريعة وعادلة من وجهة نظر المزارع؟ من يسأل مزارعي الأغوار يسمع شكوى متكررة من طول انتظار لجان الكشف وتفاوت التقديرات وتعويضات لا تغطي كلفة الإنتاج فضلاً عن الخسارة. والأهم: هل يغطي الصندوق خطر الجفاف تغطية حقيقية، أم يركز على كوارث محددة قابلة للمعاينة؟
وأضاف الزعبي أن الهدف هنا ليس انتقاد مؤسسة بعينها؛ فالعاملون في الصندوق يديرون أداة بحدود ما أتيح لها من تصميم وتمويل. الهدف هو الاعتراف بأن النموذج نفسه استنفد قدرته، والمطلوب منظومة أكثر استدامة، يكون التأمين بالمؤشر المناخي عمودها الفقري، وتحمي المزارع والاقتصاد الوطني معاً.
وبين الزعبي ، لسنا مطالبين باختراع العجلة، فالمغرب طور منذ سنوات برنامج التأمين الفلاحي المتعدد المخاطر المناخية، الذي يغطي نحو مليون هكتار من الحبوب والبقوليات، وجعل الجفاف، وهو الخطر الأكبر على الزراعة المغربية، في صلب التغطية، مع دعم حكومي مباشر لأقساط التأمين شجع مئات آلاف المزارعين على الانخراط، وكينيا ذهبت أبعد مع صغار المزارعين والرعاة، عبر برامج تأمين بالمؤشر تعتمد صور الأقمار الصناعية ومؤشرات الغطاء النباتي؛ فحين تشير البيانات إلى تدهور المراعي، تصل التعويضات إلى الرعاة قبل أن تنفق قطعانهم، وقد رُبطت هذه البرامج ببرامج الأمن الغذائي والحماية الاجتماعية.
وتابع الزعبي ، الدرس المشترك للأردن واضح: الدولة تدعم القسط ولا تحتكر النظام، والقطاع الخاص يتحمل جزءاً من الخطر، والبيانات المستقلة تحل محل الاجتهاد، وصغير المزارعين هو محور التصميم لا هامشه.
وقال الزعبي إن حماية الأغوار، والزراعة كلها، لم تعد قضية قطاعية تخص وزارة واحدة، بل قضية أمن غذائي واجتماعي واقتصادي، فالمزارع الذي يخسر موسمه لا يخسر دخله فقط؛ تتأثر أسرته، ويتوقف عمال مزرعته، وترتبك سلاسل الغذاء وصولاً إلى مائدة المستهلك في عمان وإربد والكرك، وحين تتكرر الخسارة بلا حماية، يصبح ترك الأرض قراراً عقلانياً من وجهة نظر المزارع، وخسارة استراتيجية من وجهة نظر الدولة، مبينا أمر المطلوب هو الانتقال من سياسة “الفزعة” بعد وقوع الضرر إلى التخطيط الوقائي؛ فالمزارع لا يحتاج إلى تعويض بعد الخسارة فقط، بل يحتاج إلى مظلة أمان قبل وقوع الكارثة.
ودعا الزعبي إلى إطلاق برنامج وطني للتأمين الزراعي المناخي يبدأ تجريبياً بمحصولين أو ثلاثة في الأغوار ومناطق الحبوب البعلية، ويتوسع تدريجيا، وبناء شراكة مؤسسية تجمع وزارة الزراعة وصندوق المخاطر وشركات التأمين والبنوك والجامعات، فلا طرف يستطيع حمل هذا الملف وحده، وإنشاء قاعدة بيانات مناخية وزراعية وطنية مفتوحة، فلا تأمين بالمؤشر بلا مؤشر موثوق، وتوظيف الأقمار الصناعية لمراقبة الجفاف والحرائق والغطاء النباتي، ودعم حكومي لأقساط التأمين لصغار المزارعين، فتجارب العالم كلها تؤكد أن النظام لا يقلع دون هذا الدعم في سنواته الأولى، وإشراك ممثلي المزارعين الحقيقيين، من جمعيات ونقابات واتحادات، في تصميم المنتجات التأمينية لا في التصفيق لها بعد إطلاقها، ووضع خطة حماية خاصة للأغوار باعتبارها منطقة استراتيجية للأمن الغذائي، تدمج التأمين مع كفاءة الري والإنذار المبكر ومكافحة الحرائق.