الزعبي للغد: كيف نحمي صغار المزارعين من ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج؟

 الزعبي للغد: كيف نحمي صغار المزارعين من ارتفاع أسعار مدخلات الإنتاج؟

خبير الأمن الغذائي د. فاضل الزعبي، قال: “إن ما تواجهه الزراعة من تحديات، غير مرتبط بالمياه والمناخ والأسواق فقط، بل أصبحت كلفة الإنتاج نفسها أحد أكبر التحديات التي تهدد استدامة القطاع”، مضيفا أن ارتفاع أسعار الأسمدة والطاقة والنقل، وكلف العمالة والمياه والخدمات، يضغط بصورة متزايدة على هامش ربح المزارع، ويضع صغار المزارعين أمام معادلة اقتصادية صعبة: إنتاج أكثر كلفة، وأسعار بيع لا يمكن رفعها بالسرعة نفسها.


وأضاف الزعبي أن مشكلة الأسمدة تكتسب أهمية خاصة؛ فالأردن يعتمد على الاستيراد لتوفير جزء مهم من احتياجاته من المدخلات الزراعية. وتشير بيانات التجارة إلى أن المملكة استوردت في العام 2024 أسمدة بقيمة 60.9 مليون دولار، منها 67 ألف طن من الأسمدة النيتروجينية بقيمة تجاوزت الـ 29 مليون دولار، ما يعني أن أي اضطراب في الأسواق العالمية أو تكاليف الشحن والطاقة، قد ينتقل سريعا إلى كلفة الإنتاج المحلي.


ولا تقف المشكلة عند الأسمدة، وفقا للزعبي، فالطاقة تدخل في معظم مراحل العملية الزراعية، من ضخ مياه وتشغيل مضخات وآليات، إلى تبريد وتخزين ونقل. وفي بلد يعاني من ندرة المياه، تصبح كلفة ضخ المياه وإيصالها للنبات، عنصرا حاسما في اقتصاديات الإنتاج. كما أن ارتفاع كلفة النقل يرفع تكلفة وصول مستلزمات الإنتاج إلى المزرعة، ثم تكلفة نقل المنتجات إلى أسواق الجملة والتجزئة.


وقال الزعبي إن هذه الضغوط تصبح أكثر خطورة على المزارع الصغير، أما المزارع الكبير فيستطيع شراء المدخلات بكميات أكبر، والاستثمار في الطاقة الشمسية والتخزين والتبريد، والتفاوض بصورة أفضل مع الموردين والمشترين. بينما الصغير لا يمتلك السيولة لشراء مستلزمات الموسم، ولا القدرة على تحمل موسم ضعيف أو انخفاض مفاجئ في الأسعار. ومع تكرار الخسائر، قد تكون النتيجة تقليص المساحات المزروعة، أو تغيير النشاط، أو الخروج من الزراعة نهائيا.


وأضاف: “هنا لا تصبح القضية قضية دخل المزارع فقط؛ بل قضية أمن غذائي أيضا”، فخروج صغار المزارعين يعني فقدان جزء من القاعدة الإنتاجية المحلية، وزيادة الاعتماد على الأسواق الخارجية، خصوصا في ظل تعرض سلاسل الإمداد الدولية للصدمات الجيوسياسية والمناخية، مبينا أن مواجهة ارتفاع الكلف لا ينبغي لها أن تقوم على الدعم المباشر المفتوح إلى ما لا نهاية، فالمطلوب هو الانتقال من دعم المدخلات إلى دعم الكفاءة، وذلك بتوسيع استخدام الطاقة الشمسية في ضخ مياه الري، وهي تقنية أثبتت دراسات في وادي الأردن جدواها الاقتصادية، مقارنة ببدائل الطاقة التقليدية.


كما ينبغي تعزيز الزراعة الدقيقة وتحليل التربة، بحيث يستخدم المزارع الكمية المناسبة من السماد بدلا من الإفراط في استخدامه، والتوسع في إنتاج واستخدام البدائل العضوية الآمنة، وتشجيع الشراء الجماعي للأسمدة والمستلزمات عبر التعاونيات والجمعيات الزراعية، بما يخفض كلفة الوحدة ويمنح المزارع الصغير قوة تفاوضية أكبر.


وقال الزعبي: “من المهم كذلك تطوير تمويل زراعي ميسر لرأس المال العامل، وربطه بالاستثمار في تقنيات خفض الكلفة”، كالري الحديث والطاقة الشمسية والتبريد الفعال، وتطوير التأمين الزراعي لمساعدة المزارعين على تحمل مخاطر المناخ والأسعار. أما في التسويق، فإن تخفيض كلفة الإنتاج لن يكون كافيا إذا بقي المزارع يحصل على نسبة محدودة من السعر النهائي، لذلك يجب تقليل الحلقات غير الضرورية بين المنتج والمستهلك، وتطوير أسواق المنتجين والتسويق التعاقدي وسلاسل التبريد، وتقليل الفاقد بعد الحصاد.


وقال الزعبي: “إن المطلوب ليس حماية المزارع من المنافسة، بل حمايته من عدم الكفاءة ومن الصدمات التي لا يستطيع تحملها منفردا. فالزراعة لن تستمر إذا ظل المزارع يتحمل وحده مخاطر أسعار الأسمدة والطاقة والمياه والنقل والمناخ”، بينما لا يملك أدوات كافية للتفاوض أو التخزين أو التمويل.